« ولكنها من طرق كلها مرسلة ، ولم أرها مسندة من وجه صحيح . واللّه أعلم » .
وأكثر هذه الروايات تفصيلا رواية ابن أبي حاتم . قال : حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي ، حدثنا محمد بن إسحاق الشيبي ، حدثنا محمد بن فليح ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، قال : أنزلت سورة « النجم » وكان المشركون يقولون : لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشرّ . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم ، وأحزنه ضلالهم ؛ فكان يتمنى هداهم . فلما أنزل اللّه سورة « النجم » قال :
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ( 20 ) أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى
( 21 ) [ النجم : 19 - 21 ] . ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر اللّه الطواغيت فقال : وإنهن لهنّ الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لهى التي ترتجى . . وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته . . فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة ، وزلت بها ألسنتهم ، وتباشروا بها ، وقالوا : إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه . . فلما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم آخر « النجم » سجد ، وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك . غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا فرفع ملء كفه ترابا فسجد عليه . فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين . ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين ، فاطمأنت أنفسهم - أي المشركون - لما ألقى الشيطان في أمنية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحدثهم به الشيطان أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد قرأها في السورة فسجدوا لتعظيم آلهتهم . ففشت تلك الكلمة في الناس ؛ وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه ؛ وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم ، وصلوا مع رسول اللّه ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفّه ؛ وحدّثوا أن المسلمين قد آمنوا بمكة ، فأقبلوا سراعا ، وقد نسخ اللّه ما ألقى الشيطان ، وأحكم اللّه آياته ، وحفظه من الفرية ، وقال :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى