جميعا - شاع في هذا التفسير الرغبة الواضحة في ردّ الكثير من الخوارق إلى مألوف سنة اللّه دون الخارق منها ، وإلى تأويل بعضها بحيث يلائم ما يسمونه « المعقول » ! وإلى الحذر والاحتراس الشديد في تقبّل الغيبيات « 1 » .
ومع إدراكنا وتقديرنا للعوامل البيئية الدافعة لمثل هذا الاتجاه ، فإننا نلاحظ عنصر المبالغة فيه ، وإغفال الجانب الآخر للتصور القرآني الكامل . وهو طلاقة مشيئة اللّه وقدرته من وراء السنن التي اختارها سواء المألوف منها للبشر أو غير المألوف - هذه الطلاقة التي لا تجعل العقل البشرى هو الحاكم الأخير . ولا تجعل معقول هذا العقل هو مرد كل أمر بحيث يتحتم تأويل ما لا يوافقه - كما يتكرر هذا القول في تفسير أعلام هذه المدرسة .
هذا إلى جانب أن المألوف من سنة اللّه ليس هو كل سنة اللّه . إنما هو طرف يسير لا يفسر كل ما يقع من هذه السنن في الكون . وأن هذه كتلك دليل على عظمة القدرة ودقة التقدير .
وكل ذلك مع الاحتياط من الخرافة ونفى الأسطورة في اعتدال كامل ، غير متأثر بإيحاء بيئة خاصة ، ولا مواجهة عرف تفكيري شائع في عصر من العصور ! ! ! » « 2 » .
* * *
هامش
( 1 ) أقول : وللأسف فقد تخرّج من هذه المدرسة ، من ردّ الأحاديث الصحيحة بزعم أنها تخالف المعقول في نظرهم :
* فمنهم من أنكر عذاب القبر ونعيمه ! !
* ومنهم من أنكر الشفاعة ! !
* ومنهم من أنكر المعجزات الحسيّة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانشقاق القمر ، ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة ، وحنين الجذع إليه صلى اللّه عليه وسلم ! !
* ومنهم من ذهب إلى أن الإسراء كان بالروح دون الجسد ، مثل « هيكل » في كتابه « حياة محمد » حيث قال : « في الإسراء والمعراج في حياة محمد الروحية معنى سام غاية السمو ، معنى أكبر من هذا الذي يصوّرون ، والذي قد يشوب بعضه من خيال المتكلمين خط غير قليل » انظر : « حياة محمد » ( 189 ) .
( 2 ) « الظلال » ( 6 / 3976 - 3978 ) .