إن سنة اللّه ليست فقط هي ما عهده البشر وما عرفوه . وما يعرف البشر من سنة اللّه إلا طرفا يسيرا يكشفه اللّه لهم بمقدار ما يطيقون ، وبمقدار ما يتهيئون له بتجاربهم ومداركهم في الزمن الطويل ، فهذه الخوارق - كما يسمونها - هي من سنة اللّه .
ولكنها خوارق بالقياس إلى ما عهدوه وما عرفوه !
ومن ثم فنحن لا نقف أمام الخارقة مترددين ولا مؤولين لها - متى صحّت الرواية - أو كان في النصوص وفي ملابسات الحادث ما يوحى بأنها جرت خارقة ، ولم تجر على مألوف الناس ومعودهم . وفي الوقت ذاته لا نرى أن جريان الأمر على السنة المألوفة أقل وقعا ولا دلالة من جريانه على السنة الخارقة للمألوف .
فالسنة المألوفة هي في حقيقتها خارقة بالقياس إلى قدرة البشر . . إن طلوع الشمس وغروبها خارقة - وهي معهودة كل يوم - وإن ولادة كل طفل خارقة - وهي تقع كل لحظة ، وإلّا فليجرّب من شاء أن يجرّب ! وإن تسليط طير - كائنا ما كان - يحمل حجارة مسحوقة ملوثة بميكروبات الجدري والحصبة وإلقائها في هذه الأرض ، في هذا الأوان ، وإحداث هذا الوباء في الجيش ، في اللحظة التي يهم فيها باقتحام البيت . . إن جريان قدر اللّه على هذا النحو خارقة بل عدة خوارق كاملة الدلالة على القدرة وعلى التقدير . وليست بأقل دلالة ولا عظمة من أن يرسل اللّه طيرا خاصّا يحمل حجارة خاصة تفعل بالأجسام فعلا خاصّا في اللحظة المقررة . . هذه من تلك . . هذه خارقة وتلك خارقة على السواء . .
فأما في هذا الحادث بالذات ، فنحن نميل إلى اعتبار أن الأمر قد جرى على أساس الخارقة غير المعهودة ، وأن اللّه أرسل طيرا أبابيل غير معهودة - وإن لم تكن هناك حاجة إلى قبول الروايات التي تصف أحجام الطير وأشكالها وصفا مثيرا ، نجد له نظائر في مواضع أخرى تشى بأن عنصر المبالغة والتهويل مضاف إليها ! - تحمل حجارة غير معهودة ، تفعل بالأجسام فعلا غير معهود « 1 » . . .
هامش
( 1 ) من هذه الروايات : ( أ ) ما أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في « الدلائل » عن ابن عباس في قوله :« طَيْراً أَبابِيلَ »قال : « خضر لها خراطيم كخراطيم -