نحن أميل إلى هذا الاعتبار . لا لأنه أعظم دلالة ولا أكبر حقيقة . ولكن لأن جوّ السورة وملابسات الحادث تجعل هذا الاعتبار هو الأقرب . فقد كان اللّه - سبحانه - يريد بهذا البيت أمرا . كان يريد أن يحفظه ليكون مثابة للناس وأمنا ، وليكون نقطة تجمع للعقيدة الجديدة تزحف منه حرة طليقة ، في أرض حرّة طليقة ، لا يهيمن عليها أحد من خارجها ، ولا تسيطر عليها حكومة قاهرة تحاصر الدعوة في محضنها . ويجعل هذا الحادث عبرة ظاهرة مكشوفة لجميع الأنظار في جميع الأجيال ، حتى ليمتن بها على قريش بعد البعثة في هذه السورة ، ويضربها مثلا لرعاية اللّه لحرماته وغيرته عليها . . فمما يتناسق مع جوّ هذه الملابسات كلها أن يجيء الحادث غير مألوف ولا معهود ، بكل مقوّماته وبكل أجزائه . ولا داعى للمحاولة في تغليب صورة المألوف من الأمر في حادث هو في ذاته وبملابساته مفرد فذّ . . .
وبخاصة أن المألوف في الجدري أو الحصبة لا يتفق مع ما روى من آثار الحادث بأجسام الجيش وقائده ، فإن الجدري أو الحصبة لا يسقط الجسم عضوا عضوا وأنملة أنملة ، ولا يشق الصدر عن القلب « 1 » .
وهذه الصورة هي التي يوحى بها النص القرآني :
« فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ »
. . إيحاء
هامش
- الإبل ، وأنف كأنف الكلاب » « الدر المنثور » ( 8 / 630 ) .
( ب ) وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس :« طَيْراً أَبابِيلَ »قال : لها أكفّ كأكفّ الرجل ، وأنياب كأنياب السباع . « الدر المنثور » ( 8 / 631 ) .
( ج ) وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في « الدلائل » عن عكرمة :« طَيْراً أَبابِيلَ »قال : « خضر جاءت من قبل البحر كأن وجوهها وجوه السباع . . . » « الدر المنثور » ( 8 / 631 ) .
قال الشيخ العثيمين - رحمه اللّه - : « القول في صفة الطير ، والجهة التي منها جاءت ، وعددها وكتابة اسم كل معذب على حجره إلى غير ذلك يحتاج إلى توقيف عن المعصوم صلى اللّه عليه وسلم » تفسير الجلالين ( 307 ) .
( 1 ) قال ابن إسحاق : « فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك ، على كل منهل ، وأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة ، كلما سقطت أنملة اتبعتها منه مدّة تمثّ قيحا ودما ، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون » . تفسير ابن كثير .