فأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى ، وإنما لهم مقاصد صالحة ، ولأجل الحاجة إلى ذلك ف
« قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها »
وهذا دليل على أنهم محتاجون لها ،
« وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا »
بالإيمان حين نرى الآيات العيانية ، فيكون الإيمان عن اليقين ، كما كان قبل ذلك علم اليقين . كما سأل الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ربّه أن يريه كيف يحيى الموتى
قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[ البقرة :
260 ] . فالعبد محتاج إلى زيادة العلم واليقين والإيمان كل وقت ، ولهذا قال :
« وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا »
أي : نعلم صدق ما جئت به ، أنه حق وصدق ،
« وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ »
فتكون مصلحة لمن بعدنا ، ونشهدها لك ، فتقوم الحجة ، ويحصل زيادة البرهان بذلك .
فلما سمع عيسى عليه السلام ذلك ، وعلم مقصودهم ، أجابهم إلى طلبهم في ذلك ، فقال : « اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك » أي : يكون وقت نزولها عيدا وموسما ، يتذكّر به هذه الآية العظيمة ، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات وتكرر السنين .
كما جعل اللّه تعالى أعياد المسلمين ومناسكهم مذكرا لآياته ، ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم القويمة ، وفضله وإحسانه عليهم
« وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ »
أي :
اجعلها لنا رزقا ، فسأل عيسى عليه السلام نزولها وأن تكون لهاتين المصلحتين ، مصلحة الدين بأن تكون آية باقية ، ومصلحة الدنيا ، وهي أن تكون رزقا .
« قال اللّه إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم ، فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين » لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر عنادا وظلما ، فاستحق العذاب الأليم والعقاب الشديد « 1 » .
« وقصة المائدة - كما أوردها القرآن الكريم - لم ترد في كتب النصارى . ولم تذكر في هذه الأناجيل التي كتبت متأخرة بعد عيسى - عليه السلام - بفترة طويلة ، لا يؤمن معها على الحقيقة التي تنزلت من عند اللّه . وهذه الأناجيل ليست إلّا رواية بعض
هامش
( 1 ) « تفسير السعدي » ( 248 - 249 ) .