إنما موضع العبرة أن الفزع والجزع والخروج والحذر ، لم تغير مصيرهم ، ولم تدفع عنهم الموت ، ولم تردّ عنهم قضاء اللّه . وكان الثبات والصبر والتجمل أولى لو رجعوا للّه . .
« ثُمَّ أَحْياهُمْ » . .
كيف ؟ هل بعثهم من موت وردّ عليهم الحياة ؛ هل خلف من ذريتهم خلف تتمثل فيه الحياة القوية فلا يجزع ولا يهلع هلع الآباء ؟ . . ذلك كذلك لم يرد عنه تفصيل . فلا ضرورة لأن نذهب وراءه في التأويل « 1 » ، لئلا نتيه في أساطير لا سند لها كما جاء في بعض التفاسير . . إنما الإيحاء الذي يتلقاه القلب من هذا النص أن اللّه وهبهم الحياة من غير جهد منهم . في حين أن جهدهم لم يردّ الموت عنهم . إن الهلع لا يردّ قضاء ؛ وإن الفزع لا يحفظ حياة ؛ وإن الحياة بيد اللّه هبة منه بلا جهد من الأحياء . . إذن فلا نامت أعين الجبناء ! « 2 » .
وقال الشيخ الشنقيطي - رحمه اللّه تعالى - في تفسيره لهذه الآية :
« وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال . . لأنها تبيّن أن الفرار من القتل لا ينجّى منه ولو فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب ، كما قال « قعنب ابن أم صاحب » .
إذا أنت لاقيت في نجدة * فلا تتهيبك أن تقدما
فإن المنية من يخشها * فسوف تصادفه أينما
وإن تتخطّاك أسبابها * فإن قصاراك أن تهرما
وقال أبو الطيب :
وإذا لم يكن من الموت بدّ * فمن العجز أن تكون جبانا
وهذا هو المراد بالآية المذكورة ا ه .
هامش
( 1 ) قال الإمام الفخر - رحمه اللّه - في تفسير هذه الآية : « الآية دالة على أنه أحياهم بعد أن ماتوا فوجب القطع به ، وذلك لأنه في نفسه جائز والصادق أخبر عن وقوعه فوجب القطع به » . مفاتيح الغيب ( 3 / 476 ) .
( 2 ) الظلال ( 1 / 263 - 264 ) .