فشمّ البنادق فلم يجد لها ريحا ، فأمر ببندقة منها فدقّت ، فسطع ريحها مسكا وزعفرانا فصدّقه عند ذلك ، ثم قال معاوية :
كيف أصنع حتى أعرف اسم هذه المدينة ولمن هي ومن بناها ؟ واللّه ما أعطى أحد مثل ما أعطى سليمان بن داود عليه السلام وما أظن أنه كان له مثل هذه المدينة ! ! ! .
فقال له بعض جلسائه : ما كان لسليمان مدينة مثل هذه وما يوجد خبر هذه المدينة في زماننا هذا إلا عند « كعب الأحبار » فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إليه ويأمر بإشخاصه ويغيب هذا الرجل في موضع هنا بحيث يسمع كلامه وحديثه ووصفه للمدينة حتى يتبيّن أمر هذه المدينة على مثال هذه الصّفة فإن كعبا سيخبر أمير المؤمنين بخبرها وأمر هذا الرجل إن كان دخلها ، لأن مثل هذه المدينة على مثل هذه الصفة لا يستطيع هذا الرجل دخولها إلا أن يكون قد سبق له في الكتاب دخولها فيعرف ذلك ! ! ! .
فأرسل معاوية رضي اللّه عنه إلى كعب الأحبار ، فلما حضر قال له : يا أبا إسحاق إني دعوتك لأمر رجوت أن يكون علمه عندك . فقال له : يا أمير المؤمنين على الخبير سقطت سل عما بدا لك .
فقال له : أخبرنا يا أبا إسحاق هل بلغك أن في الدنيا مدينة مبنية بالذهب والفضة وعمدها من زبرجد وياقوت وحصى قصورها وغرفها اللؤلؤ ، وأنهارها في الأزقّة تجرى تحت الأشجار ؟
فقال كعب : والذي نفس كعب بيده لقد ظننت أنى سأسأل قبل أن يسألني أحد عن تلك المدينة وما فيها ، ولكن أخبرك بها يا أمير المؤمنين ولمن هي ؟ ومن بناها ؟
أمّا تلك المدينة فهي حق على ما بلغ أمير المؤمنين وعلى ما وصفت له ، وأمّا الذي بناها فشداد بن عاد ، وأما المدينة فهي
« إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ »
فقال له معاوية : يا أبا إسحاق حدثنا بحديثها يرحمك اللّه ؟ .
فقال كعب : يا أمير المؤمنين إن عادا كان له ابنان : سمّى أحدهما : « شديدا » ، والآخر « شدّادا » ، فهلك عاد وبقي ولداه بعده فملكا وتجبّرا وقهرا كل البلاد وأخذاها عنوة وقهرا حتى دان لهما جميع الناس ولم يبق أحد في زمانهما إلا دخل في طاعتهما لا في