ويتردّد الدود في جسده . فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع ، فوضع في صدرها فوسوس إليها فذكرها ما كانت فيه من النعم والمال والدواب ، وذكرها جمال أيوب وشبابه وما هو فيه من الضر ، وإن ذلك لا ينقطع عنهم أبدا فصرخت ، فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاها بسخلة فقال :
ليذبح هذا أيوب ويبرأ . فجاءت تصرخ : يا أيوب ، يا أيوب . . . حتى متى يعذّبك ربك ؟ ألا يرحمك ؟ أين المال ؟ أين الشباب ؟ أين الولد ؟ أين الصديق ؟ أين لونك الحسن الذي بلى وتلدد فيه الدواب ؟ اذبح هذه السخلة واسترح . قال أيوب :
أتاك عدوّ اللّه فنفخ فيك ، فوجد فيك رفقا فأجبته ، ويلك أرأيت ما تبكين عليه مما تذكرين مما كنا فيه من المال والولد والصحة والشباب من أعطانيه ؟ قالت : اللّه . . قال :
فكم متعنا ؟ قالت : ثمانين سنة . قال : فمذ كم ابتلانا اللّه بهذا البلاء الذي ابتلانا به ؟ قالت :
سبع سنين وأشهرا . قال : ويلك . . . واللّه ما عدلت ولا أنصفت ربك ، إلا صبرت حتى نكون في هذا البلاء الذي ابتلانا ربنا ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة ، واللّه لئن شفاني اللّه لأجلدنّك مائة جلدة حيث أمرتني أن أذبح لغير اللّه ، طعامك وشرابك الذي أتيتني به علىّ حرام أن أذوق شيئا مما تأتي به بعد إذ قلت لي هذا ، فاغربي عني فلا أراك .
فطردها فذهبت ، فقال الشيطان : هذا قد وطن نفسه ثمانين سنة على هذا البلاء الذي هو فيه ، فباء بالغلبة ورفضه ، وانظر إلى أيوب قد طرد امرأته وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق ، ومرّ به رجلان وهو على تلك الحال ولا واللّه ، ما على ظهر الأرض يومئذ أكرم على اللّه من أيوب فقال أحد الرجلين لصاحبه :
لو كان للّه في هذا حاجة ما بلغ به هذا . فلم يسمع أيوب شيئا كان أشد عليه من هذه الكلمة فقال : رب ،
« مَسَّنِيَ الضُّرُّ »
ثم رد ذلك إلى اللّه فقال :
« وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ »
فقيل له :
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ
[ ص : 42 ] . فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها فلم يبق من دائه شيء ظاهر إلا سقط ، فأذهب اللّه عنه كل ألم وكل سقم وعاد إليه شبابه وجماله أحسن ما كان ، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى ، فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج . فقام صحيحا وكسى حلة فجعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان له أهل ومال إلا وقد أضعفه اللّه له ، حتى ذكر لنا