وتروح مع ولائدها يسجدن لها كعادتهن في ملكه ، فأخبره « آصف » فكسر الصورة ، وضرب المرأة فعوتب بذلك حيث تغافل عن حال أهله . واختلف في اسم ذلك الشيطان ، فعن السّدّي أنه « حبقيق » ؛ وعن الأكثرين أنه « صخر » وهو المشهور ، وإنما قال سبحانه : « جسدا » لأنه إنما تمثّل بصورة غيره وهو سليمان عليه السلام ، وتلك الصورة المتمثلة ليس فيها روح صاحبها الحقيقي ، وإنما حلّ في قالبها ذلك الشيطان ، فلذا سمّيت جسدا وعبارة القاموس صريحة في أن الجسد يطلق على الجنى « 1 » .
وقال « المحلىّ » في « تفسير الجلالين » :
« وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ »
ابتليناه بسلب ملكه ، وذلك لروّجه بامرأة هواها ، وكانت تعبد صنما في داره من غير علمه ، وكان ملكه في خاتمه ، فنزعه مرة عند إرادة الخلاء « دورة المياه » ، ووضعه عند امرأته المسمّاة بالأمينة على عادته ، فجاءها جنى في صورة سليمان فأخذه منها . . . إلخ « 2 » .
وقال الشيخ السّعدي - رحمه اللّه - في « تفسيره » ( 713 ) :
« وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ »
أي : ابتليناه واختبرناه بذهاب ملكه وانفصاله عنه بسبب خلل اقتضته الطبيعة البشرية ،
« وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً »
أي : شيطانا قضى اللّه وقدّر أن يجلس على كرسي ملكه ، ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان ،
« ثُمَّ أَنابَ »
سليمان إلى اللّه تعالى وتاب » . ا . ه .
قلت : وهذه هفوة هفوة وقع فيها هذا الإمام الكبير ، وهي مغمورة - إن شاء اللّه - في بحر حسناته ، فتفسيره - كما تقدم - من أجلّ كتب التفسير .
تعقيبات العلماء : قال الإمام الآلوسي : - رحمه اللّه تعالى - معقّبا على ما تقدم :
« وقال أبو حيان وغيره : إن هذه المقالة من أوضاع اليهود وزنادقة السوفسطائية ،
هامش
( 1 ) « روح المعاني » ( 23 / 292 ) .
( 2 ) « تفسير الجلالين » ( 382 ) .