رجع إلى اللّه تعالى . فتبين من سياق القصة أنه كانت خصومة بين شركاء في نعاج حقيقة ، وأنه لم يحصل من داود - قبلها - ما يستوجب لومه أو عتابه . وكل ما حصل منه خوفه من الخصوم الذين تسوروا عليه المحراب ، والخوف غريزة بشرية فقد قال موسى وهارون من قبله - وهما أفضل
رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى
[ طه : 45 ] . وما من رسول إلا وقد خاف إذاية قومه . غير أنه اعتبر فزعه من المخلوق وهو بين يدي الخالق ، لا يليق بمنصبه الكريم ، وعدّه ابتلاء وامتحانا ، فاستغفر اللّه منه « 1 » .
قلت : قال القاضي بن العربي : « أما قول من قال : إنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر فلا يجوز على الأنبياء » « 2 » .
( 2 ) إسرائيليات في تفسير قوله تعالى :
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ
[ البقرة : 251 ] .
ذكر بعض المفسرين - هنا - حكايات باطلة ، وروايات واهية ، منها قولهم : « عبر النهر مع « طالوت » فيمن عبر « إيشا » أبو داود - عليه السلام - ومعه ثلاثة عشر ابنا له ، وكان داود أصغرهم وأحقرهم ! ! ! فأتى ذات يوم أباه ، فقال : يا أبتاه ما قذفت بمقلاعي هذه شيئا إلّا أصبته وصرعته ، فقال : أبشر يا بني فإن اللّه قد جعل رزقك في قذافتك - يعني في مقلاعك - ثم أتاه يوما آخر فقال : يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فرأيت أسدا رابضا فركبته وقبضته بأذنيه فلم يهمني فقبضت على فكيه ففطرتهما برأسه وعنقه إلى لبّته بيدي من غير سكين ولا ضرب بحديد وتراه هناك مقتولا . فقال أبوه :
أبشر يا بني فإن هذا خير أعطاكه اللّه وسيكون لك شأن عظيم . قال : فلما وصلت غزاة بني إسرائيل مع « طالوت » إلى عسكر « جالوت » أرسل جالوت إلى طالوت أن أبرز إلىّ أو أبرز إلىّ من يقاتلني ، فإن قتلني فلكم ملكي ، وإن قتلته فلى ملككم . فشق ذلك على طالوت ، فنادى في عسكره : من قتل جالوت زوجته ابنتي وناصفته مملكتي .
هامش
( 1 ) « بدع التفاسير » ( 119 - 120 ) .
( 2 ) « تفسير القرطبي » ( 15 / 163 ) .