ثم يعقد المقارنة بين هذه الآية والأخرى التي تقول :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
« 1 » .
هنا يطبق الزمخشري مبدأه ؛ فيحكم على الآية الأولى بأنها محكمة والآية الثانية بأنها متشابهة ، رغم أنها صريحة وواضحة وضوحا تامّا وليست متشابهة عند أهل السنة .
فيقول الزمخشري في تفسير الآية الثانية ، تفسيرا مقاربا لأهل السنة :
« وإذا أردنا ، أي وإذا دنا وقت إهلاك قوم ، ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل ، أمرناهم ففسقوا أي أمرناهم بالفسق ففعلوا ، والأمر مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا ، وهذا لا يكون ( فاللّه تعالى لا يأمر بالفسق ولا بالفحشاء ) - فيبقى أن يكون الأمر مجازا ، ووجه المجاز أنه ، صبّ عليهم النعمة صبّا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي ، واتباع الشهوات ، فكأنهم مأمورون بذلك ؛ وإنما خولهم النعم ليشكروا ، ويعملوا فيها الخير ويتمكنوا من الإحسان والبر ، كما خلقهم أصحاء أقوياء ، وأقدرهم على الخير والشر ، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية ، وآثروا الفسق ، فلما فسقوا حق عليهم القول ، وهو كلمة العذاب فدمّرهم . . . » « 2 » .
ونحن نلاحظ أن هذا الكلام سليم وليس فيه شبهة تناقض مع أية نصوص أخرى ، وهذا من بلاغة القرآن الكريم ، فليس فيه تضارب في قضاياه رغم كثرة ما تناوله منها .
هامش
( 1 ) الآية [ 16 ] من سورة الإسراء .
( 2 ) تفسير الكشاف للزمخشري ج 3 ص 173 .