فالصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم ، قرءوا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي صلّى اللّه عليه وسلم .
بل إن الآية [ 59 ] النساء السابق الإشارة إليها تنص على وضع الأسس بشأن الاختلاف ، بأن نرجع إلى إيضاح كتاب اللّه نفسه ، وما نجد في سنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم إن وجد فيها حل للخلاف ، وفي هذه السنة نفسها إقرار بالاجتهاد الشخصي إذا لم يوجد الحكم في الكتاب أو السنة ، كما في « حديث معاذ رضى اللّه عنه حين بعثه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إلى اليمن فقال :
كيف تقضى ؟ فقال أقضى بما في كتاب اللّه ، قال فإن لم يكن في كتاب اللّه قال : فبسنّة رسول اللّه ، قال : فإن لم يكن في سنة رسول اللّه ، قال :
أجتهد رأيي ، قال : الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم » « 1 » .
وسواء من اجتهد معاذ ، أو من على شاكلته ممن هو أهل للاجتهاد .
كما أن الآية صريحة في الدعوة إلى الاستنباط بقوله تعالى :
. . . وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ . . .
« 2 » .
فأهل الاجتهاد والعلم في كل زمان ومكان يفتح اللّه عليهم لمعرفة أحكامه تعالى فيما يجدّ من أمور .
وأما عن الآية الأخرى التي يستدل بها المانعون وهي قوله تعالى :
. . . وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
« 3 » .
فقد أجاب عنها المجيزون بأنه ، لا ريب أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمر ببيان
هامش
( 1 ) سنن الترمذي ج 3 ص 607 / كتاب الأحكام / 30 - باب ما جاء في القاضي رقم 1327 .
( 2 ) من الآية [ 83 ] النساء .
( 3 ) من الآية [ 44 ] النحل .