وثانيا : التميز بدرجات متفاوتة من الحذر والحيطة ، ومن التواضع العلمي ، ومن التأكيد على نسبيّة مناهجهم ونسبيّة نتائجهم ، مما يعطى محاولاتهم درجات من المصداقيّة .
يرى اليوم كثير من الباحثين والمفكّرين في الغرب وعدد لا بأس به من باحثى بلاد الإسلام - نحن مع هؤلاء وأولئك - أن دراسة القرآن والبحث فيه تستدعى تطبيق كل المناهج ، وليس المنهجيّة الفيلولوجية التاريخيّة التي درج الغرب على تطبيقها وحدها ، وتطبيق تلك المناهج من لغويّة ، وأدبيّة ، واجتماعيّة ، وتاريخيّة ، وتفسيريّة وغيرها ، لن يكون قط بمثابة اختبار للنص القرآني المجيد ، الذي هو حقيقة ثابتة باقية ، وإنّما سيكون بمثابة اختبار للمناهج تلك باعتبارها إنسانيّة اجتهاديّة تجريبيّة ، قابلة للإصابة والخطأ ، وللاستمرار والتراجع . وبالتالي يمكن أن تنجح أو تفشل على محك التجربة وانسجام منهج البحث مع موضوعه على محك التحليل والدراسة ، أو عدم ذلك .
ثمة ضرورة أن ننبه إلى أن العقل الغربى عامة ، والجانب الاستشراقى منه خاصة يتميّز بقدرته على نقد ذاته .
هذا ما يقوله بيير بورديو 3 في كتابه « تأملات باسكاليّة » منتقدا العقل الغربى المسمّى سكولاستيكى ( أي مدرسانى ) والذي يسيطر بقوّة على توجّهات الجامعات ودور البحث في فرنسا والغرب منذ زمن طويل ، ولا بد من الثورة عليه . وقد بدأت تلك الثورة ، كما يشير إلى ذلك هاشم صالح ، وثار عليه ميشيل فوكو ورولان بارت وغيرهما في الستينيات والسبعينيات .
إشكاليات ترجمة معاني القرآن الكريم ( اللغة والمعنى ) — صفحة 24
مساهمون: محمود العزب
ص٢٤