- ولا يحيق المكر السيئ - فإنه لا خلاف في تحريك همزه ، وأما ذلك المخفوض فروى عن حمزة سكون همزه تخفيفا ، لأجل كثرة الحركات ، وقد سبق ما في هذا في قراءة - بارئكم - ويأمركم ، ونحوه ، وقيل : إنه وصل بنية الوقف ، وعندي أنه أسكنه وقفا ، فظن الراوي أنه يفعل ذلك وصلا ، وسبب كونه أسكن هذه الهمزة وقفا أن من مذهبه تخفيف الهمز في الوقف على الطريقة المذكورة في بابه ، وقياسها أن تبدل هذه الهمزة ياء ، لأنها تسكن للوقف ، وقبلها مكسور ، فيجب قلبها ياء : إذا خففت فكأنه استثقل اجتماع ثلاث ياءات : الوسطى مكسورة ، فترك الهمز ساكنا على حاله ، فهو أخف من إبداله ، فهو نظير ما فعله أبو عمرو في - تؤوى - وتؤويه حين لم يبدل همزه استثقالا للإبدال ، وهو معنى قول الناظم فيما سبق أخف بهمزة ، وقال الزمخشري : لعله اختلس فظن سكونا ، أو وقف وقفة خفيفة ، ثم ابتدأ ولا يحيق ، قال أبو جعفر ، النحاس : قال الأعمش وحمزة - ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ - فحذف الإعراب من الأوّل وأثبته في الثاني ، قال أبو إسحاق : وهو لحن ، قال أبو جعفر . وإنما صار لحنا لأنه حذف الإعراب منه ، وزعم محمد بن يزيد أن هذا لا يجوز في كلام ولا شعر لأن حركات الإعراب لا يجوز حذفها دخلت للفرق بين المعاني ، وقد عظم بعض النحويين أن يكون الأعمش يقرأ بهذا : وقال : إنّما كان يقف عليه ، فغلط من أدّى عنه ، قال : والدليل على هذا أنه تمام الكلام ، وأن الثاني لما لم يكن الكلام أعربه ، والحركة في الثاني أثقل منها في الأوّل ، لأنها ضمة بين كسرتين قال : واحتج بعض النحويين لحمزة في هذا بأن سيبويه أنشد :
إذا اعوججن قلت صاحب قوم * فاليوم أشرب غير مستحقب
قال : وهذا لا حجة فيه : لأن سيبويه لم يجزه ، وإنما حكاه على الشذوذ وضرورة الشعر ، وقد خولف فيه وقيل : إنما هو : صاح قوم : وفاليوم فاشرب .
قال الزّجاج - ومكر السيئ - موقوفا ، وهذا عند النحويين من الحذاق بالنحو ، وإنما يجوز في الشعر في الاضطرار ، وأنشدوا .
قلت :
صاحب قوم اليوم اشرب غير
قال : وهذان البيتان قد أنشدهما جميع النحويين المذكورين ، وزعموا كلهم أن هذا من الاضطرار في الشعر ولا يجوز مثله في كتاب اللّه تعالى أنشدنا هما أبو العباس محمد بن يزيد رحمه اللّه تعالى .
إذا اعوججن قلت صالح قوم * وهذا جيد بالغ وأنشدنا
فاليوم فاشرب غير مستحقب
فأما ما يروى عن أبي عمرو بن العلا - إلى بارئكم - فإنما هو أن يختلس الكسر اختلاسا ولا يجزم بارئكم ، قال : وهذا إنما رواه عن أبي عمرو من لا يضبط النحو ، كضبط سيبويه والخليل ، ورواه سيبويه باختلاس الكسر ، كأنه يقلل صوته عند الكسر ، وأكثر أبو علي في الحجة من الاستشهاد والاحتجاج للإسكان لأجل توالى الكسرات ، والاضطرار : وللوصل بنية الوقف ، ثم قال : وإذا ساغ ما ذكرنا في هذه القراءة من التأويل ، لم يسغ لقائل أن يقول : إنه لحن ، ألا ترى أن العرب قد استعملوا ما في قياس ذلك .
ثم قال : وهذه القراءة وإن كان لها مخلص من الطعن ، فالوجه قراءة الحرف على ما عليه الجمهور