الميم في « ملكت » رمز ابن ذكوان أي أنه في جملة من روى عنه النون ، ثم بين أن الصحيح عنه القراءة بالياء ، فقال « عنه » يعنى عن ابن ذكوان نص الأخفش على الياء . وهو هارون بن موسى ابن شريك الدمشقي تلميذ ابن ذكوان ، وكان يعرف بأخفش باب الجابية ، والهاء ، في ياءه ترجع إلى لفظ - نجزين - المختلف فيه ، ثم قال : وعنه ، يعنى عن الأخفش روى النقاش ، وهو محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون بن جعفر ابن سند البغدادي المفسر ، وهو ضعيف عند أهل النقل ، روى عن شيخه الأخفش في قراءة ابن ذكوان لهذا الحرف نونا ، قال صاحب التيسير ابن كثير وعاصم - لنجزين الذين - بالنون وكذلك روى النقاش عن الأخفش عن ابن ذكوان ، قال : وهو عندي وهم ، لأن الأخفش ذكر ذلك في كتابه عنه بالياء ، وذكر بالأهوازى في كتاب الإيضاح النون عن ابن ذكوان وعن هشام أيضا ، وعن ابن عامر وأبى عمرو من بعض الطرق ، وقال :
قال النقاش : أشك كيف قرأته على الأخفش عن ابن ذكوان ، وقول الناظم « موهلا » هو حال من النقاش ، أو صفة للنون ، أي مغلطا ، يقال : وهل في الشيء وعنه بكسر الهاء إذا غلط وسهى ، وهل وهلا ، ووهلت إليه بالفتح أهل وهلا ساكن الهاء إذا ذهب ، وهمل إليه فأنت تريد غيره مثل وهمت ، هكذا في صحاح الجوهري ، قال الشيخ : موهلا من قولهم وهله فتوهل ، أي وهمه فتوهم ، وهو منصوب على الحال من النقاش ، أي منسوعا إلى الوهم فيما نقل ، يريد ما قال صاحب التيسير هو عندي وهم ، وقد ذكرناه ، واللّه أعلم .
815 - [ سوى الشّام ضمّوا واكسروا فتنوا لهم * وبكسر في ضيق مع النّمل ( د ) خللا ]
لهم أي لجميع القراء السبعة سوى الشامي ، فحذف ياء النسبة ، أو التقدير سوى قارئ الشام ، فحذف المضاف ، يريد -
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا
- أي فتنهم الكافر بالإكراه على النطق بكلمة الكفر ، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان ، وذلك نحو ما جرى لعمار بن ياسر وأصحابه بمكة رضي اللّه عنهم ، وهو موافق للآية الأولى -
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
- لم يختلف فيه أنه على ما لم يسم فاعله ، وقرأ ابن عامر : « فتنوا » بإسناد الفعل إلى الفاعل بفتح الفاء والتاء ، لأن الفتح ضد الضم والكسر معا ، ووجه هذه القراءة أن تكون الآية نزلت في الفاتنين الذين عذبوا المؤمنين على الكفر ، وأوقعوا الفتن في الذين أسلموا وهاجروا وجاهدوا وصبروا ، وذلك نحو ما جرى لمن تأخر إسلامه كعكرمة بن أبي جهل ، وعمه الحارث ، وسهيل بن عمرو وأضرابهم رضي اللّه عنهم ، وتكون القراءتان في الطائفتين ، الفاتنين والمفتونين ، وقيل التقدير فتنوا أنفسهم حين أظهروا ما أظهروا من كلمة الكفر ، ومعنى القراءتين متحد المراد بهما المفتونون ، وقيل معنى فتنوا : افتتنوا ، قال الشيخ : روى أبو عبيد عن أبي زيد فتن الرجل يفتن فتونا إذا وقع في الفتنة ، وتحوّل من الحال الصالحة إلى السيئة ، وفتن إلى النساء أراد الفجور بهن ، وقيل الضمير في فتنوا يعود إلى الخاسرون . والمفعول محذوف أي من بعد ما فتنهم أولئك الخاسرون ، وأما - في ضيق مما يمكرون - هنا وفي النمل ، ففتح الضاد وكسرها لغتان ، كالقول والقيل ، وقيل المفتوح تخفيف ضيق كهين وميت ، أي في أمر ضيق ، وقوله سوى الشامي استثنى من الضمير في لهم كما سبق ، ويجوز أن يكون مبتدأ وما بعده الخبر ، ويجوز أن يكون في موضع نصب بفعل مضمر ، كقولك زيدا اكتب الكتاب له ، أي لابسه وخالطه بذلك « ودخللا » حال من قوله في ضيق أي هو دخيل مع الذي في النمل مشابه له في الكسر ، واللّه أعلم .