وفي الحديث الصحيح « كتاب اللّه فيه الهدى والنّور فتمسّكوا بكتاب اللّه وخذوا به » وفي رواية « من استمسك وأخذ به كان على الهدى ومن أخطأه ضلّ » .
وفي به وجوه أخر بعيدة ذكرناها في الكبير ، وإجلال القرآن العزيز : تعظيمه ، وتبجيله : توقيره وهما متقاربان في المعنى ، ونصب متمسكا وما بعده على الحال من ضمير القارئ ، لأن المعنى : يا أيها الذي قرأ القرآن ومن إجلال القرآن حسن الاستماع له والإنصات لتلاوته ، وتوقير حملته وصيانة القارئ نفسه مما يشين دينه ، جعلنا اللّه كذلك واللّه أعلم .
16 - [ هنيئا مريئا والداك عليهما * ملابس أنوار من التّاج والحلا ]
الهنيء : الذي لا آفة فيه ، الطيب المستلذ ، الخالي من المنغصات ، الحاصل من غير تعب . والمريء : المأمون الغائلة ، المحمود العاقبة ، المستساغ في الحلق ، وهما من أوصاف الطعام والشراب في الأصل . ثم تجوّز بهما في التهنئة بكل أمر سارّ ، وهما هنا منصوبان على الحال : أي ثبت لك ثواب تمسكك بالقرآن العزيز وإجلالك له هنيئا مريئا . ويجوز أن ينصبا بفعل مضمر : أي صادفت أمرا هنيئا مريئا وأن يكونا نعتى مصدر محذوف : أي عش عيشا هنيئا مريئا ، ثم ابتدأ قوله والداك عليهما البيت ، وملابس جمع ملبس بفتح الميم والباء وهو مصدر كاللبس ، وجمعه لاختلاف الملبوس ، أو تكون جمع ملبس بكسر الميم وفتح الباء : وهو الشيء الذي يلبس ، ويسمى أيضا لباسا ، ومثله ميزر وإزار وملحف ولحاف ، وملابس فاعل عليهما ، وعليهما خبر والداك ، أو يكون ملابسى مبتدأ ثانيا خبره عليهما المقدّم عليه والجملة خبر والداك ، وأنوار جمع نور والنور : الضياء ، وأضاف الملابس إلى الأنوار لملابستها إياها ، والتاج : الإكليل ، والحلى جمع حلية : وهي الهيئة من التحلي الذي هو لبس الحلى . ويجوز أن تكون الحلى جمع حلة ، وأراد الحلل لكنه أبدل من ثاني حرفى التضعيف حرف علة نحو أمليت ، وهذا وإن لم يكن مسموعا فهو جائز في الضرورة ، نص عليه الرماني في آخر ، شرح الأصول والمنظوم في هذا البيت حديث أخرجه أبو داود وغيره من حديث سهل بن معاذ الجهني عن أبيه رضي اللّه عنهم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال :
« من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشّمس في بيوت الدّنيا لو كانت فيكم فما ظنّكم بالّذى عمل بهذا » فقوله : « من قرأ القرآن وعمل بما فيه » نظمه في البيت السابق ، وقوله « فما ظنكم بالذي عمل بهذا » منظوم في البيت الآتي ، والباقي منظوم في هذا البيت . وفي مسند بقىّ بن مخلد عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال :
« يكسى والداه حلّة لا تقوم لها الدّنيا وما فيها » .
ففي هذا ذكر الحلة ، وفي الذي قبله ذكر التاج ، فصح تفسيرنا لقوله : الحلى بالحلل ويكون نظم ما تفرق في الحديثين ، وقوله في الحديث « تاجا وحلة » أي كل واحد منها ، واللّه أعلم .