وأظن أن الذي حملهم على ارتكاب هذه الأوجه البعيدة ، وتركهم الوجه الواضح الذي ذكرته أولا ، اعتقادهم أن فيصبحوا ليس نصبا على جواب الترجى ، لأن الترجى من اللّه تعالى إيجاب وتحقيق ، فلم يكن متى الترجى حاصلا ، فيكون - فيصبحوا - عطفا على - أن يأتي بالفتح - ولا يستقيم عطف - ويقول - على ظاهر قوله - أن يأتي - فتأولوا هذه التأويلات ، ونحن نقول : وإن كان الأمر كذلك فلا يمتنع النصب اعتبارا بلفظ الترجى ، وهذا متعين في تعليل قراءة عاصم :
( فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى
« 1 »
)
.
بالنصب ؛ في سورة عبس ، فهو في جواب :
( لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
« 1 »
)
.
فكذا هاهنا ، واللّه أعلم .
وقول الناظم : ورافع سوى ابن العلا : رافع خبر مقدم ، والمبتدأ قوله سوى ابن العلا ، أي غير ابن العلا رافع ليقول ، وفي هذه العبارة نظر ، فإن أكثر النحويين يقولون إن سوى التي بمعنى غير ، لازمة للنصب على الظرفية ، فلا يجوز أن يليها عامل يقتضى غير ذلك ، إلا أن المختار خلاف ما ذكروه ، ففي أبيات الحماسة :
ولم يبق سوى العدوان
فإذا جاز وقوع سوى فاعلة جاز وقوعها مبتدأ ؛ وأما :
( مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
« 3 »
)
.
فرسم بدالين في مصاحف المدينة والشام ، وبدال واحدة في المصاحف الباقية ، فكل من القراء وافق مصحفه ، وهما لغتان : الإدغام لتميم ، والإظهار لأهل الحجاز ، وقد جاء التنزيل بالأمرين :
( وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى
« 4 » -
وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ
« 5 »
)
.
والمرسل المطلق : يعنى أنه أطلق من عقال الإدغام ، والضمير في عم : لقوله من يرتد ، ثم بين قراءة الباقين ، فقال :
622 - [ وحرّك بالإدغام داله * وبالخفض والكفّار ( ر ) اويه ( ح ) صّلا ]
يعنى : الدال الثانية حركت بالفتح مصاحبة لإدغام الأولى فيها ، فالباء في بالإدغام باء المصاحبة ، مثل :
دخل عليه بثياب السفر ، وليست باء الاستعانة بالآلة ، نحو : كتبت بالقلم ، فإن الإدغام لا يصلح آلة للتحريك فإن قلت : من أين علم أن مراده بالتحريك الفتح ؟ قلت : لأنه ذكره غير مقيد ، وذلك هو الفتح في اصطلاحه
هامش
( 1 ) سورة عبس ، آية : 3 و 4 .
( 3 ) سورة المائدة ، آية : 54 .
( 4 ) سورة النساء ، آية : 115 .
( 5 ) سورة الحشر ، آية : 4 .