قال تغمده اللّه برحمته وجمع بيننا وبينه في جنته :
1 - [ بدأت ببسم اللّه في النّظم أوّلا * تبارك رحمانا رحيما وموئلا ]
أي قدمت لفظ « بسم اللّه الرحمن الرحيم » في أوّل نظمى هذا ، يقال : بدأت بكذا إذا قدمته فالباء الأولى لتعدية الفعل ، والثانية هي التي في أول البسملة : أي بدأت بهذا اللفظ . والنظم : الجمع ، ثم غلب على جمع الكلمات التي انتظمت شعرا ، فهو بمعنى منظوم ، أو مصدر بحاله ؛ واللام في النظم للعهد المعلوم من جهة القرينة ، وهي قائمة مقام الإضافة كقوله تعالى :
( فِي أَدْنَى الْأَرْضِ )
« 1 » .
أي أدنى أرض العرب أي في نظمى ، نزله منزلة المعروف المشهور تفاؤلا له بذلك ، أو أراد في هذا النظم ، نزله منزلة الموجود الحاضر فأشار إليه كقوله تعالى :
( هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ )
« 2 » .
أو يكون المصدر في موضع الحال أي منظوما وأوّلا نعت مصدر محذوف : أي في أن نظمت نظما أوّل أي أنه مبتكر لم يسبق إليه وهو نظم قصيدة على روى واحد في مذاهب القراء السبعة موجزة بسبب ما اشتملت عليه من الرموز ، وقد تشبه به قوم في زماننا . فمنهم من سلك مسلكه مختصرا لها ، ومنهم من غير الرموز بغيرها ، ومنهم من نظم في مذاهب القراء العشرة . زاد رواية أبى جعفر المدني ، ويعقوب الحضرمي وخلف البزار فيما اختار : والفضل للمتقدم الذي هو أتقى وأعلم ، فالألف في قوله أوّلا على هذا الوجه للإطلاق لأنه غير منصرف .
ويجوز أن تكون الألف بدلا من التنوين على أن يكون أوّلا ظرف زمان عامله بدأت أو النظم أي بدأت في أوّل نظمى « بسم اللّه » أو بدأت « بسم اللّه » في نظمى الواقع أوّلا ، فهو كقول الشاعر :
فساغ لي الشّراب وكنت قبلا
« 3 » والبركة كثرة الخير وزيادته واتساعه ، وشيء مبارك : أي زائد نام ، وما لا يتحقق فيه ذلك يقدر في لازمه وما يتعلق به كقوله تعالى :
« وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ »
« 4 » ،
« إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ »
« 5 » .
أي كثير خير ذلك وما يتعلق به من الأجر ، وتبارك تفاعل منه كتعاظم من العظمة ، وتعالى من العلو . وقيل إنه فعل لم يتصرف أصلا ، لا يقال يتبارك وغيره . ثم كمل لفظ البسملة بقوله « رحمانا رحيما » وزاد قوله « وموئلا » وهذا المعنى زاد دخول الواو فيها حسنا ، والموئل . المرجع والملجأ ، وهو وإن لم يكن لفظه ثابت الإطلاق على اللّه تعالى من حيث النقل فمعناه ثابت نحو :
( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ
« 6 »
)
،
( وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
« 7 »
)
.
هامش
( 1 ) سورة الروم ، آية : 3 .
( 2 ) سورة القصص ، آية : 15 .
( 3 ) البيت ليزيد بن الصعق لا كما نسب إلى عبد اللّه بن يعرب وأتى الشارح بصدره مستشهدا به وتمامه أكاد أغص بالماء الفرات ، والصواب الحميم .
( 4 ) الأنبياء ، آية : 50 .
( 5 ) سورة الدخان آية : 3 .
( 6 ) سورة يونس ، آية : 4 .
( 7 ) سورة فاطر ، آية : 18 .