تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع — صفحة 8

مساهمون:

ص٨
وقد كثرت التصانيف بعد ابن مجاهد في ذكر قراءتهم ، وهي من بين مصنّف وجيز ، وكتاب مطول ، يجمع طرقهم وأخبارهم ورواياتهم ، وآل الأمر إلى أن صنف كتاب التيسير لأبى عمرو الداني رحمه اللّه فاعتمد عليه ، وصرفت العناية إليه ، لما فيه من التنقيح والاختيار والتحرير والاختصار . ثم إن اللّه تعالى سهل هذا العلم على طالبيه بما نظمه الشيخ الإمام العالم الزاهد أبو القاسم الشاطبى رحمه اللّه من قصيدته المشهورة المنعوتة بحرز الأماني ، التي نبغت في آخر الدهر أعجوبة لأهل العصر ، فنبذ الناس سواها من مصنفات القراءات ، وأقبلوا عليها لما حوت من ضبط المشكلات وتقييد المهملات ، مع صغر الحجم وكثرة العلم ، وإنما شهرها بين الناس وشرحها ؛ وبين معانيها وأوضحها ، ونبه على قدر ناظمها ، وعرّف بحال عالمها ، شيخنا الإمام العلامة علم الدين ، بقية مشايخ المسلمين ، أبو الحسن علي بن محمد هذا الذي ختم به اللّه العلم مع علوّ المنزلة في الثقة والفهم ، جزاه اللّه عنا أفضل الجزاء ، وجمع بيننا وبينه في دار النعيم والبقاء ، فلما تبين أمرها وظهر سرها تعاطى جماعة شرحها ، ولم ينصفوا من أباحهم سرحها ، ورقاهم صرحها ، وهي أوّل مصنف وجيز حفظته بعد الكتاب العزيز ، وذلك قبل بلوغ الحلم وجريان القلم ، ولم أزل من ذلك الزمان إلى الآن طالبا إتقان معرفة ما احتوت عليه من المعاني ، وإبراز ما أودع في ذلك الحرز من الأماني ، وكل حين ينفتح لي من فوائدها باب ، ومن معانيها ما لم يكن في حساب . وكنت سمعت شيخنا أبا الحسن علي بن محمد المذكور ، يحكى عن ناظمها شيخه الشاطبى رحمهما اللّه مرارا أنه قال كلاما ما معناه : لو كان في أصحابي خير أو بركة لاستنبطوا من هذه القصيدة معاني لم تخطر لي . ثم إني رأيت الشيخ الشاطبى رحمه اللّه في المنام وقلت له : يا سيدي حكى لنا عنك الشيخ أبو الحسن السخاوي أنك قلت كيت وكيت ، فقال صدق . وحكى لنا بعض أصحابنا أنه سمع بعض الشيوخ المعاصرين للشاطبى يقول : لمته في نظمه لها لقصور الأفهام عن دركها فقال لي : يا سيدي هذه يقيض اللّه لها فتى يبينها أو كما قال : قال فلما رأيت السخاوي قد شرحها علمت أنه ذلك الفتى الذي أشار إليه . قلت : ثم إن اللّه تعالى فتح على من مراجعته وبركات محاضرته معاني لم يودعها كتابه ولم يعرفها أصحابه ، فأردت تدوينها مع استقصاء شرح للأبيات معنى ولفظا ، وذكر ما يتعلق بها مما رأيت لها منه قسما وحظا ، فابتدأت ذلك في كتاب كبير بلغت فيه [ باب الهمزتين من كلمة ] في نحو مجلدة بخطى محكمة ، ثم إني فكرت في قصور الهمم ، وتغيير الشيم ، وطولبت بتتميمه فاستقصرت العمر عن تلك الهمة مع ما أنا بصدده من تصانيف مهمة ، فشرعت في اختصار ذلك الطويل واقتصرت مما فيه على القليل ، فلا تهملوا أمره لكونه صغيرا حجما ، فإنه كما قيل : كنيف ملئ علما ، وسميته : [ إبراز المعاني من حرز الأماني ] وقد أخبرني بهذه القصيدة عن ناظمها جماعة من أصحابه ، وقرأتها على شيخنا أبى الحسن المذكور مرارا ، وأخبرني أنه قرأها على ناظمها غير مرة ، ومات رحمه اللّه سنة تسعين وخمسمائة في جمادى الآخرة ، ومولده في آخر سنة ثان وثلاثين وخمسمائة فيكون عمره أقل من اثنتين وخمسين سنة .