سبعة من أئمة الأمصار ؛ وهم الذين أجمع عليهم وإن كان الاختلاف أيضا واقعا فيما نسب إليهم . وأوّل من فعل ذلك الإمام أبو بكر بن مجاهد قبيل سنة ثلاثمائة أو في نحوها ، وتابعه بعد ذلك من أتى بعده إلى الآن ، وكان من كبار أئمة هذا الشأن . وبعضهم صنف في قراءة أكثر من هذا العدد ، وبعضهم في أنقص منه .
واختار ابن مجاهد فمن بعده هذا العدد موافقة لقوله عليه الصلاة والسلام :
« إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف » فإن كان المراد بها غير ذلك على ما ذكرناه في كتاب مفرد لذاك ، وتأسيا لمصحف الأئمة التي نفذها الصحابة إلى الأمصار ، فإنها كانت سبعة على ما نطقت به الأخبار ، ووقع اختيارهم من أئمة القراءة على كل مختار .
وتولى شرح كتاب ابن مجاهد في السبعة ، أبو علي الفارسي النحوي في كتاب كبير يسمى [ الحجة ] وقد أوضح فيه المحجة . وكان قد شرع فيه قبله شيخه أبو بكر بن السراج ، فسلك أبو علي بعده ذلك المنهاج وهما من كبار أئمة النحويين المحققين المتقنين . ثم شرح كتاب ابن مجاهد في القراءات الشواذّ أبو الفتح بن جنى صاحب الشيخ أبى علىّ في كتاب سماه ب [ المحتسب ] وأتى فيه بكل عجب .
[ فصل ] في ذكر القراء السبعة الذين اختار ابن مجاهد قراءتهم ، واشتهر ذكرهم في الآفاق
ومعظم المصنفين في القراءات يذكرونهم نى أوائل كتبهم ، مع طرف من أخبارهم ، مختلفين في ترتيبهم .
ونحن نذكرهم بطريق الاختصار على الترتيب الذي ألفناه بهذه الديار :
الأوّل الإمام أبو عبد الرحمن نافع بن أبي نعيم المدني رحمه اللّه ، وبه بدأ ابن مجاهد ؛ قرأ على سبعين من التابعين . وقال فيه مالك بن أنس الإمام ، وصاحبه عبد اللّه بن وهب : قراءة نافع سنة . وقال الليث بن سعد إمام أهل مصر : حججت سنة ثلاث عشرة ومائة ، وإمام الناس في القراءة يومئذ نافع بن أبي نعيم . وقال :
أدركت أهل المدينة وهم يقولون : قراءة نافع سنة . وقال ابن أبي أويس : قال لي مالك : قرأت على نافع .
الثاني : أبو معبد عبد اللّه بن كثير المكي رحمه اللّه : قرأ على مجاهد وغيره من التابعين ، وقيل إنه قرأ على عبد اللّه بن السائب المخزومي ، وله صحبة . وقرأ عليه جماعة من أئمة أهل البصرة مع جلالتهم : كأبى عمرو بن العلا ؛ وعيسى بن عمر ، والخليل بن أحمد ، وحماد بن أبي سلمة ، وابن زيد ، وحديثه مخرّج في الصحيحين . ونقل الإمام أبو عبد اللّه الشافعي قراءته ، وأثنى عليها ، وقرأ على صاحبه إسماعيل بن قسطنطين قارئ أهل مكة ، وقال قراءتنا قراءة عبد اللّه بن كثير ، وعليها وجدت أهل مكة ، من أراد التمام فليقرأ لابن كثير .
الثالث : أبو عمرو بن العلاء البصري ، رحمه اللّه تعالى . أغزرهم علما وأثقبهم فهما . قرأ على جماعة جلة من التابعين ، من أهل الحجاز والعراق ، كمجاهد ، وعطاء ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ويحيى بن يعمر ، وأبى العالية . واشتهرت قراءته في البلاد ، وأخبر مثل سفيان بن عيينة قال : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في المنام فقلت : يا رسول اللّه قد اختلفت علىّ القراءات ، فبقراءة من تأمرني أن أقرأ ؟ قال اقرأ بقراءة أبي عمرو