فقد ذكر أن مثل هذا تنقل إليه الحركة ، وتقدم أنهما لو كانا زائدين أبدل الهمز مثلهما وأدغما فيه ، فروى بعضهم عنه إجراء الأصلي مجرى الزائد في الإبدال والإدغام ، وحكى جواز ذلك عن العرب يونس وسيبويه ، وكان الأحسن أن يذكر هذا البيت عقيب قوله ويدغم فيه الواو والياء مبدلا » إذا زيدتا البيت ، ويقول عقيبه وإن ولو أصلى ، بلفظ حرف إن الشرطية ، فهي أحسن هنا من لفظ ما ، وأقوم بالمعنى المراد ، ولو فعل ذلك لاتصل الكلام في الإدغام واتصل هنا كلامه في الروم والإشمام ، فإن هذا البيت الآتي متعلق بقوله وأشمم ورم ، على ما سنبينه ، فوقع هذا البيت فاصلا في غير موضعه من وجهين وبعضهم صوّب ما فعله الناظم ، وقال :
قصد أوّلا أن يلخص من أحكام التسهيل حكما واحدا اشتهر ، ثم يذكر بعد ذلك أحكاما أخر ، كما فعل في :
( مُسْتَهْزِؤُنَ
« 1 »
)
وغيره واللّه أعلم .
252 - [ وما قبله التحريك أو ألف محرّكا * طرفا فالبعض بالرّوم سهّلا ]
المذكور في هذا البيت هو ما امتنع رومه وإشمامه لأجل البدل ، على ما تقدم بيانه ، حكى فيه وجه آخر ، عن حمزة أنه كان يجعل الهمز في ذلك بين بين ، كأنه لما كان البدل يفضى إلى تعطيل جريان الروم المختار لجميع القراء على ما سيأتي في بابه ، لم يبدل وخفف الهمز بالتسهيل ، كما لو كان الهمز متوسطا ، إلا أن الوقف لا يكون على متحرك ، بل على ساكن أو مروم ؛ فالوقف بالسكون لا تسهيل معه إلا بالبدل والوقف بالروم يتأتى التسهيل معه بلفظ بين بين ، فنزل النطق ببعض الحركة ، وهو الروم ، منزلة النطق بجميعها ، وكل ذلك حركة الهمزة فسهلها بين بين ، فهذا معنى قوله : « بالروم سهلا » أي في حال الروم ، أي وقع التسهيل بحالة الروم .
وخفى هذا المعنى على قوم فقالوا : لا معنى لبين بين إلا روم الحركة فعبر عن الروم بكونه يجعلها بين بين ، وهذا التأويل ليس بشيء ، فإن النطق بالروم غير النطق بالتسهيل ، برهانه أن الروم عبارة عن النطق ببعض حركة الحرف ، فلا يلزم من ذلك تغيير ذلك الحرف ، كما إذا رام الدال من زيد ، والتسهيل بين بين يغير لفظ النطق بالهمزة ، والروم نطق ببعض حركة الهمزة أو حركة ما جعل بدلا عنها ؛ وهو كونها بين بين ، وهذا أوضح ، وللّه الحمد .
فحاصل ما في هذا البيت أن ما دخل في الضابط الذي ذكره ، وسنبينه فلحمزة فيه وجهان :
أحدهما : أن يقف بالسكون ، فيلزم إبدال الهمز حرف مد ، فلا روم إذا ولا إشمام ، كما سبق ذكره ، وهذا الذي تقدم استثناؤه له .
والثاني : أنه يروم حركة الهمزة ويجعلها بين بين ، ثم إذ قلنا بهذا الوجه فهل يجرى في المفتوح جريانه في المضموم والمكسور ، أو لا يجرى فيه ، إذ لا روم فيه عند القراء : فيه اختلاف .
وقد ذكر هذا الوجه مكي في الكشف ، وجعله المختار فيما يؤدى فيه الوقف بالسكون إلى مخالفة الخط نحو :
( تفتأ « 2 » ) .
واختار الوقف بالسكون فيما يوافق الخط نحو :
( يبدئ « 3 » ) .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية : 14 .
( 2 ) سورة يوسف ، آية : 85 .
( 3 ) سورة البروج ، آية : 13 .