تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
السّابق لأنه يدرس موضوعا من أخطر المشاكل الّتي واجهها المفكّرون المسلمون وهي كثرة الفرق في الإسلام والدّواء لردها إلى فرقة واحدة ، ويعترف ابن السّيد في المقدمة أنّه من المستحيل الوصول إلى هذه الوحدة في الحياة الدّنيا « 2 » لأن الاختلاف في وجهات النظر ناتج عن الفوارق الإنسانيّة وهي غير قابلة للتوفيق لا طبيعيّا ولا نفسيّا ولا أخلاقيا فبقضاء إلهي يختلف النّاس فيما بينهم من حيث العرق واللّون واللّغة والأساليب وطرق التفكير ، ولكن مجرد هذه الفوارق التي لابدّ منها تعني ضمنا ضرورة ردّها إلى الوحدة عندما تكون الخلافات عقائديّة ؛ لأن الحقيقة هي واحدة بحدّ ذاتها وإن تغيّرت الأساليب للوصول إليها في هذه الحياة الدّنيا . لا يمكن أن توجد الكثرة دون وجود الوحدة ؛ ولهذا نقع في الشّك المطلق الذي يتخبّط به السّفسطائيون إذا لم يكن يوجد حياة أخرى يتحوّل فيها الخلاف في الرّأي عند النّاس في المسائل اللّاهوتية إلى وحدة كاملة . وحتى يتمّ ذلك لابدّ لنا في هذه الحياة من وجود وسيلة تزيل هذه الفوارق أو تخفف على الأقل من حدّتها ، أو البحث في مصدرها عن الأسباب التي أدّت إلى حصولها ، وهي على العموم المعاني المختلفة التي تبنّاها الناس في التّعبير عن أفكارهم عندما يريدون الكلام عن العقائد المنزّلة . والفرق التي يشير إليها ابن السّيد هي الجبرية والقدرية والجهمية والشيعية وغيرها ، ولا يتوقّف عند كلّ فرقة من هذه الفرق بل يكتفي بذكر الأسباب العامّة لوجود مثل هذه الفرق ، ويعزوها إلى ثمانية أسباب « 1 » : 1 - استخدام ألفاظ قابلة للالتباس وقابلة لعدّة تفسيرات وبعض هذه التفسيرات متناقضة بحد ذاتها أو بعوامل أخرى صرفيّة أو نحوية .
هامش
( 2 ) انظر مقدمة تحقيقنا لكتاب ( الإنصاف ) الطبعة الثالثة بدار الفكر ( المحقّق ) ، ومقدمة ابن السّيد لكتابة هذا ، فإن في عبارات المستشرق الفاضل شيئا من الغموض واللّبس .
( 1 ) الإنصاف : ( القاهرة 1319 هجزية ) ص 5 - 10