بعده أصحاب السيادات المعظّمون ، سيّما السيّد الأيّد ، صاحب الخير والبركات ، جلّ من أبدعه وتعالى ؛
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
.
الهيكل السادس في إثبات بقاء النفس بعد الموت ؛ وبيان أحوالها
اعلم أنّ النفس لا تبطل ؛ لأنّها ليست ذات محلّ ؛ فلا ضدّ لها ؛ ومبدؤها دائم ؛ فتدوم به ؛ وليس بينها وبين البدن إلّا علاقة عرضية شوقية لا يبطل ببطلانها الجوهر .
وتعلم أنّ لذّة كلّ قوّة إنّما تكون بحسب كمالها وإدراكها ؛ وكذا ألمها ؛ ولذّة كلّ شيء بحسب ما يخصّه ؛ فللشمّ ما يتعلّق بالمشمومات وللذوق ما يتعلّق بالمذوقات ولللمس ما يتعلّق بالملموسات وكذا غيرها ؛ فلكلّ ما يليق به .
وكمال الجوهر العاقل الانتقاش بالمعارف من معرفة الحقّ والعوالم والنظام ؛ وبالجملة أمر المبدأ والمعاد ؛ والتنزّه من القوى البدنية ؛ ونقصه في خلاف هذا .
واللذيذ والمكروه قد يصلان بدون حصول لذّة وألم كمن به سكتة أو سكر شديد ؛ فإنّه لا يتألّم بالضرب ولا يلتذّ بحضور المعشوق ؛ فالنفس ما دامت مشتغلة بهذا البدن لا تتألّم بالرذائل النفسانية ولا تلتذّ بالفضائل ، لسكر الطبيعة ؛ فإذا فارقته تتعذّب نفوس الأشقياء بالجهل والرذيلة الظلمانية ، والشوق إلى عالم الحسّ
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ
سلبت قواهم ؛ لا عين باصرة ، ولا اذن سامعة ؛ ينقطع عنها ضوء عالم الحسّ ولا يصل إليها نور القدس ؛ حيران في الظلمات ؛ فانقطع عنها النوران ؛ فيتسلّط عليها الهيبة والفزع والهمّ والخوف ؛ لأنّها من لوازم الظلمة ؛ ولهذا من كدر مزاج روحه وحصل فيه ظلمة وكدورة - كأصحاب ماليخوليا - يتسلّط عليه الفزع والهموم ؛ فكيف حال من وقع في الظلمات مع اليأس عن التخلّص ، ومصاحبة المؤذيات ومقارنة الحسرات ؟ !
وأمّا الصالحات الفاضلات فتنال في جوار اللّه تعالى وقربه ما لا عين رأت ، ولا اذن