ثمّ إنّا إذا تطهّرنا عن شواغل البدن وتأمّلنا كبرياء الحقّ والخرّة والنور الفائض من لدنه وجدنا في أنفسنا بروقا ذات بريق وشروقا ذات تشريق ؛ وشاهدنا أنوارا وقضينا أوطارا ؛ فما ظنّك بأشخاص كريمة الهيئة ، دائمة الصور ، ثابتة الأجرام ، آمنة من الفساد ، لبعدها عن عالم التضادّ ؟ ! فهي لا شاغل لها ؛ فلا ينقطع عنها شروق أنوار اللّه تعالى المتعالية وإمداد اللطائف الإلهية .
فلكلّ من الأفلاك معشوق من العالم الأعلى ؛ وهو نور قاهر ؛ وهو سببه وممدّه بنوره ؛ وواسطة بينه وبين الأوّل من لدنه يشاهد جلاله وينال بركاته وأنواره ؛ فينبعث من كلّ إشراق حركة ؛ ويستعدّ بكلّ حركة لإشراق ؛ فدام تجدّد الإشراقات بتجدّد الحركات ؛ ودام تجدّد الحركات بتجدّد الإشراقات ؛ ودام بتسلسلهما الدوري حدوث الحادثات في العالم السفلى ؛ ولولا إشراقاتها وحركاتها لم يحصل من جود اللّه تعالى إلّا قدر متناه ، وانقطع فيضه ؛ إذ لا تغيّر في ذات الأوّل تعالى ليوجب التغيّر ؛ فاستمرّ بجود الحقّ حدوث الحادثات بوجه دائم لعشّاق الإلهيّين ، يلزم حركاتها نفع السافلين .
وليس أنّ حركات الأفلاك توجد الأشياء لكنّها تحصل الاستعدادات ، ويعطي الحقّ الأوّل لكلّ شيء ما يليق باستعداده .
وإذا لم يتغيّر الفاعل فيتجدّد الشيء بتجدّد استعداد قابله ؛ والشيء الواحد يجوز أن يتجدّد أثره ويختلف لتجدّد أحوال القابل واختلافها لا لاختلاف حاله ؛ وليعتبر الإنسان بفرض شخص لا يتغيّر ولا يتحرّك وتحرّك إلى مقابله - ضربا للمثل - مرايا مختلفة بالصغر والكبر ، والصفاء والكدورة ؛ فيحدث فيها منه صور مختلفة بالصغر والكبر ؛ وكمال ظهور اللون ونقصانه لا لتغيّر صاحب الصورة واختلافه ، بل للقوابل ؛ فربط الحقّ - جلّ كبرياؤه - الثبات بالثبات والحدوث بالحدوث ؛ وهو المبدأ والغاية في ذلك الربط ؛ ليدوم الخير وليثبت الفيض ولئلّا تتناهى رحمته ؛ فإنّ جوده ليس بأبتر ولا ناقص ولا منقطع ؛ والجود إفادة ما ينبغي لا لعوض ؛ فمن فعل لعوض يناله فهو فقير ؛ والغنيّ هو
اشراق هياكل النور لكشف ظلمات شواكل الغرور — صفحة 13
مساهمون: غياث الدين منصور دشتكي شيرازي
ص١٣