محوجة إلى السبب كما أحوجت الأجسام إليه يجب أن يكون فعله بلا واسطة واحدا ؛ فإنّ اقتضاء أحد الشيئين غير اقتضاء الآخر ؛ فيلزم في مقتضى الشيئين بلا واسطة التكثّر .
فأوّل ما يجب بالأوّل شيء واحد لا كثرة فيه وليس بجسم ؛ فتختلف فيه هيئات مختلفة ، ولا هيئة فيحتاج إلى محلّ ولا نفس فيحتاج إلى بدن ، بل هو قائم ؛ فهو مدرك لنفسه ولبارئه ؛ وهو النور الإبداعي .
ولا يمكن أشرف منه ؛ وهو منتهى الممكنات ؛ وهذا الجوهر ممكن في نفسه ، واجب بالأوّل ؛ فيقتضي بنسبته إلى الأوّل جوهرا قدسيا آخر ؛ وبنظره إلى إمكانه ونقص ذاته بالنسبة إلى كبرياء الأوّل جرما سماويا ؛ وهكذا الجوهر الثاني يقتضي بالنظر إلى ما فوقه جوهرا مجرّدا ؛ وبالنظر إلى نقصه جرما سماويا إلى أن كثرت جواهر مقدّسة عقلية وأجسام بسيطة فلكية وعنصرية ؛ والجواهر العقلية المقدّسة وإن كانت فعّالة إلّا أنّها وسائط وجود الأوّل وهو الفاعل .
وكما أنّ النور الأقوى لا يمكّن النور الأضعف من الاستقلال بالإنارة فالقوّة القاهرة الواجبية لا تمكّن الوسائط من الاستقلال ، لوفور فيضه وكمال قوّته ؛ وهو وراء ما لا يتناهي بما لا يتناهي ؛ كلّ شأن فيه شأنه .
الفصل الرابع [ في العوالم الثلاثة ]
اعلم أنّ العوالم ثلاثة :
عالم يسمّية الحكماء عالم العقل ؛ والعقل في اصطلاحهم جوهر لا يقصد إليه بالإشارة الحسّية ولا يتصرّف في الأجسام أيضا .
وعالم النفس ؛ والنفس الناطقة وإن لم تكن جرمانية وذات جهة إلّا أنّها تتصرّف في الأجسام ؛ والنفوس الناطقة تنقسم إلى ما يتصرّف في السماويات وإلى ما لنوع الإنسان .