الفصل الثالث [ في دفع الآراء الفاسدة حول ماهيّة النفس ]
وجماعة من الناس لمّا تفطّنوا أنّ هذه غير جسمانية توهّموا أنّها اللّه تعالى ؛ وقد ضلّوا ضلالا بعيدا ؛ فإنّ اللّه واحد والنفوس كثيرة ؛ ولو كان نفس زيد وعمرو واحدا لأدرك أحدهما جميع ما يدركه الآخر ولا طّلع كلّ الناس على ما اطّلع عليه الكلّ ؛ وليس كذلك .
ثمّ كيف تستأسر قوى البدن إله الآلهة وتسخّره وتجعله رهين شهوات وعرضة بليّات في خبط عشواء ويحكم عليه حركات السماوات ؟ !
وجماعة توهّموا أنّها جزء منه ؛ وهو زيغ ؛ فإنّه لمّا برهن على أنّه ليس بجسم فكيف يتجزّئ وينقسم ، ومن يجزّيه ؟ !
وآخرون توهّموا قدمها ولم يعلموا أنّها لو كانت كما زعموا ، فما الذي ألجأها إلى مفارقة عالم القدس والحياة ، والتعلّق بعالم الموت والظلمات ؟ ! ومن الذي قهر القديم وحبسه ؟ ! وكيف سخّره قوى الطفل الرضيع ؟ ! وكيف امتاز بعضها عن بعض في الأزل ؟ ! فإنّ نوعها متّفق ؛ ولامكان لها ولا محلّ ؛ ولا فعل ولا انفعال قبل البدن ، ولا هيئات مكتسبة كما تكون بعد البدن ؛ ولا يصحّ أن تكون واحدة فتنقسم وتتوزّع على الأبدان ؛ فإنّ ما ليس بجسماني لا يتجزّى ، بل هي حادثة مع البدن إذا تمّ استعداده لقبولها ؛ ولمّا رأيت فتيلة مستعدّة للاشتعال تشتعل من النار من غير أن ينتقص منها شيء ؛ فلا تتعجّب من حصول النفس الناطقة عند استعداد البدن من غير أن ينتقص من واهبها شيء .
الهيكل الثالث في الوجوب والإمكان والامتناع
الجهات العقلية ثلاث : واجب وممكن وممتنع ؛ فالواجب ضروري الوجود والممتنع ضروري العدم والممكن ما لا ضرورة في وجوده وعدمه .