لمّا علمت أنّ الحائط لا يقال له أعمى ولا بصير ؛ فإنّ الأعمى لا يقال إلّا على من يصحّ أن يبصر ؛ فالبارئ تعالى والنفوس الناطقة وغيرهما - ممّا سيأتي ذكره - ليست جسما ولا جسمانية ؛ فهي لا داخلة في العالم ولا خارجة ، ولا متّصلة ولا منفصلة ؛ وكلّ ذلك من عوارض الأجسام ، تنزّه عنها ما ليس بجسم ؛ فالنفس الناطقة جوهر ؛ ولا يتصوّر أن تقع إليها الإشارة الحسّية من شأنه أن يدبّر الجسم ويعقل ذاته بذاتها والأشياء الخارجة ؛ وكيف يتوهّم الإنسان هذه المهيّة القدسية جسما ، والحال أنّها إذا طربت طربا روحانيا تكاد تترك عالم الأجسام وتطلب عالم ما لا يتناهى ؟ !
الفصل الثاني [ في قوى النفس ]
المبحث الأوّل [ في قوى النفس ]
أعلم أنّ النفس لها قوى من مدركات ظاهرة هي الحواسّ الخمس وهي اللمس والذوق والشمّ والسمع والبصر ؛ وقوى من مدركات باطنة كالحسّ المشترك ؛ فهو بالنسبة إلى الحواسّ كحوض ينصب فيها أنهار خمسة ؛ وهو الذي يشاهد صور المنام معاينة لا على سبيل التخيّل .
ومن الحواسّ الباطنة الخيال ؛ وهو خزانة الحسّ المشترك تبقي فيه الصور بعد زوالها عن الحواسّ .
ومنها القوّة الفكرية التي بها التركيب والتفصيل والاستنباط .
ومنها الوهم ؛ وهو الذي ينازع العقل في قضاياه حتّى أنّ المنفرد في البيت في الليل يؤمّنه عقله ويخوّفه وهمه ؛ وهو يخالف العقل في أمور غير محسوسة حتّى أنّ الذين