ولو فكر الانسان في منافع أعضائه ، ووضعها ، وترتيبها ، وما فيها من القوى ، وسريان آثارها في البدن ، وحفظ الشخص والنوع بها ، لرأي من ذلك ما تبهره عجائبه ، وكان يظهر له كونه عاجزا عن الإحاطة به ، أو الاطلاع على أكثره . وإذا كان عجزه عن حال نفسه وبدونه هذا العجز ، فكيف لا يعجز عن الاطلاع على جميع عجائب ما في عالم الكون والفساد ، وعالم الأفلاك ، الذي لا يحيط علما بوجود أكثره ، فضلا عما فيه من دقائق الحكمة ولطائف العناية .
وقد رأيت أن أذكر جملة من آثار عناية الباريء بمخلوقاته ، ليكون كالأنموذج لباقيها . فمن ذلك حال أعضاء الحيوان ، لا سيما الانسان ، فأن الباريء جل ثناؤه قدر بلطف حكمته أن جعل العظام دعائم أبدان الحيوانات وعمدها .
ولما أحتاج الحيوان إلى الحركة في وقت دون وقت وأن يتحرك جزء من بدنه دون جزء ، لم يجعل ما في بدنه عظما واحدا ، بل جعل فيه عظاما كثيرة مشكلة بالاشكال الموافقة ، كما يراد منها .
ووصل ما يحتاج أن يتحرك في بعض الأحوال معا ، وفي بعضها فرادي بالربط الثابتة من أحد طرفي العظم المتصلة بالطرف الآخر .
وجعل لاحد طرفي العظمين زوائد ، وفي الاخر نقرا موافقة لدخول هذه الزوائد فيها . فصار للاعضاء من أجل المفاصل ، أن يتحرك منها بعض دون بعض ، ومن أجل الربط الواصلة بين العظام أن تتحرك معا بعظم واحد . وجعل الدماغ عنصر الحس والحركة الإرادية ، وأنبت منه أعصابا تتصل بالأعضاء ، فتعطيها ضروب الحس والحركة .
ولما كان أسافل البدن ، وما بعد عن الدماغ ، يحتاج أيضا إلى حس وحركة أرادية ، أخرج من أسفل القحف شيئا من الدماغ ، هو النخاع ، وحصنه لشرفه بحرز الظهر ، كما حصن الدماغ بالقحف ، حتى صار الدماغ بمنزلة عين وينبوع للحس والحركة ، والنخاع بمنزلة نهر
الجديد في الحكمة — صفحة 583
مساهمون: ابن كمونة
ص٥٨٣