الفصل السابع في عناية واجب الوجود بمخلوقاته ورحمته لهم وحكمته في أيجادهم
قد اتضح لك مما سلف بيانه : أن واجب الوجود لا يفعل لغرض « 1 » ، وأن العلل العالية لا تفعل فعلا لأجل السافل ، ولا سبيل إلى إنكار الآثار العجيبة في تكون العالم ، وأجزاء السماوات ، وأجزاء الحيوان والنبات ، مما لا يصدر ذلك اتفاقا ، وعلى سبيل الجزاف .
فيجب أن تعلم أنه كيف يمكن أن يصدر هذا النظام المشاهد والمعقول عن علله العالية ، وليس ذلك ألا لان الأول تعالى عالم لذاته ، بما عليه الوجود في نظام الخير وعلة لذاته للخير والكمال ، بحسب الامكان ، وراض به على النحو الذي عرفته ، فيعقل نظام الخير على الوجه الأبلغ في الامكان ، فيفيض عنه ما يعقله نظاما وخيرا على الوجه الأبلغ الذي يعقله فيضانا ، على أتم تأدية إلى النظام ، بقدر ما يمكن ، وذلك هو العناية التي للباريء بمخلوقاته .
وتحقيق هذا أن ذات الواجب لما كانت هي الكمال المطلق ، كان وجود الموجودات الصادرة عنه ، على أتم نظام ( لوحة 368 ) وأحسن ترتيب .
هامش
( 1 ) ذهب أصحاب التفسير الديني أو الميتافيزيقي ، إلى القول بأن العناية الإلهية تقود العالم نحو غاية لا يعلمها ألا الله ، لان العلم في حد ذاته لا يبحث في العلل الأولى ، وأنما يكتفي بالبحث عن الأسباب القريبة ، راجع د . محمود قاسم : المنطق الحديث ص 556 .