وأنت إذا أردت أحكام أمر ، ثم طلبت النظام في إيجاد شيء ، فأنك تتصور أولا نظاما ، ثم تسوق اليه الأمور ، فيكون بالحقيقة مصدر تلك الأمور ، هو النظام المتصور . فإذا كان الفاعل هو النظام المطلق والكمال المحض ، فمن الواجب أن تكون الأمور الموجودة عنه ، بحيث لا مزيد عليها في الاحكام والنظام . فلهذا لا يصح صدورها على نظام اخر ، فان جميع النظام يكون دونه .
ولما لم يزيد علم الواجب بذاته على ذاته ، ولا علمه بمعلولاته على وجود تلك المعلولات ، فلا يمكن تقدم علمه بلوازمه عليها .
ولو تقدم علمه بمعلوله على لزومه عنه ، لما كانت ذاته مفيدة للوازم بمجردها . بل هي مع العلم بالمبدأ الأول ، لا تزيد عنايته على ذاته ، وعلى عدم غيبته عن ذاته ولوازمها .
ومتى قيل : أن عنايته زائدة على ذاته ، فكذلك أنما تصدق بنوع من الاعتبار لا بالحقيقة . وكذا إذا قيل علمه هو سبب وجود الأشياء عنه . وإذا كانت العقول لازمة عن الخير المطلق ومن مقتضاه ، وكانت الأفلاك صادرة عنه أيضا ، ومتشبهة في حركاتها به ، وكانت الأمور التي تحت الأفلاك نظامها يتعلق بحركات الأفلاك ، التي هي أفضل الحركات ، فيجب أن يكون هذا النظام الموجود في عالم الطبيعة أيضا ، على أتم ما يمكن أن يكون وأفضله ، ولا نظام أتم منه ، وأنه ليس في الموجودات أمر بالاتفاق ، بل كله أما طبيعي بحسب ذاته ، كحركة الحجر إلى أسفل ، وأما طبيعي بالقياس إلى الكل ، وأن لم يكن طبيعيا بالقياس إلى ذاته .
ومن أعتبر آثار العناية في جملة العالم وفي أجزائه ، لوجد منها ما يقتضي منه آخر العجب . وعلى أنه لا سبيل للانسان إلى معرفة جميع ذلك ، في أحوال نفسه وبدنه ، فضلا عن معرفته فيما عداه من جمل العالم وتفاصيله .
الجديد في الحكمة — صفحة 582
مساهمون: ابن كمونة
ص٥٨٢