الخدر الذي لم يحس بمؤلمه ، فلما زال عائقه أحس به .
وإذا كانت القوة العقلية بلغت من النفس حدا من الكمال يمكنها به عند مفارقة البدن أن تستكمل الاستكمال الذي لها أن تبلغه وتصل اليه ، وجدت لنيل ما كانت أدركته وتنبهت له ، لذة عظيمة ، هي أجل من كل لذة ، وأشرف . وهذه هي السعادة الحقيقية .
وأما النفوس الساذجة التي لم تكتسب الشوق إلى هذا الكمال ، ولم تكتسب أيضا هيئات رديئة من البدن ، لم يحصل لها التألم لفقد الكمال ، لعدم تنبهها له .
وأن كانت مكتسبة للهيئات البدنية الرديئة ، فربما أشتاقت إلى مقتضى تلك الهيئات ، فتعذبت عذابا شديدا بفقد البدن ومقتضياته ، من غير أن يحصل المشتاق اليه ، لان آلة ذلك قد بطلت ، وخلق التعلق بالبدن قد نفى .
والتعذب الذي يكون بسبب هذه الهيئات لا يبقى دائما لزوال هذه الهيئات ، بعد الموت شيئا فشيئا ، لانقطاع أسبابها التي حصلت منها كذلك ، ومنافاة اللذات « 1 » لها . وهذه تختلف في شدة الرداءة وضعفها ، وفي سرعة الزوال وبطئه .
ويختلف ما يكون منها من التعذب ، بحسب الاختلافين . ويجب أن تعلم أن السعادة الحقيقية ، لا تتم ألا بأصلاح القوة العملية من النفس ، بأن تستعمل المتوسط بين الخلقين الضدين ، فيحصل للنفس الهيئة الاستعلائية على البدن « 2 » ، فلا تنفعل عن قواة ( لأنا لا نفعل ) « 3 » أفعال التوسط ، دون أن تحصل ملكة التوسط ، التي هي تبرئة النفس الناطقة عن الهيئات الانقيادية ، وتبقيتها على جبلتها . فأن التوسط
هامش
( 1 ) أ « الذات » .
( 2 ) أ « البدل » .
( 3 ) سقطت من ك .