لما هو الحسن والخير المطلقين .
وهذا أتم وأفضل من كمالات القوى الأخرى ، بل هو في مرتبة يقبح معها أن يقال : أنه أفضل وأتم ، إذ لا نسبة له اليه فضيلة وتماما وكثرة ، وسائر ما يتم به التذاذ المدركات ، مما ذكر .
ثم كيف يقاس دوام الأبدي بدوام الفاسد المتغير ، وكيف يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح ، إلى ما هو متغلغل في كنه المدرك ، وكيف يقاس كمال الادراك إلى الادراك ، والمدرك إلى المدرك .
فأن العقل أكثر عدد مدركات من الحس ، وأشد تقصيا « 1 » ( لوحة 335 ) للمدرك وتجريدا له عن الزوائد ، وخوضا في باطنه وظاهره . وشواغل البدن وعوائقه تمنع من الاشتياق إلى ذلك الكمال أشتياقا يناسب مبلغه .
فأن اشتغال النفس بالمحسوسات يمنعها من الالتفات إلى المعقولات فلا تجد منها ذوقا ، فلم يحصل لها إليها شوق كالعنين الذي لا يشتاق إلى الجماع ، والأصم الذي لا يشتاق إلى سماع الألحان .
واستمرار وجود ما هو أضداد كمالات النفس ، وكونها مشتغلة بغيرها يمنعها عن أدراك ما ينافيها ، من حيث هو مناف لها ، فلا تتألم بحصوله لها ، كالممرور الذي ربما لم يحس بمرارة فمه ، إلى أن يصلح مزاجه . والذي هو كريم النفس إذا تأمل عويصا يهمه ، وعرض عليه شهوة ، وخير بين الطرفين أستخف بالشهوة . والأنفس العامية أيضا قد تؤثر الغرامات والآلام ، الفادحة ، بسبب أفتضاح أو شوق إلى أمر عقلي . وإذا أنفصلنا عن البدن ، وكانت النفس منا تنبهت فيه ، لكمالها الذي هو معشوقها ، ولم تحصله . وهي بطبعها نازعة اليه ، ألا أن أشتغالها بالبدن أنساها إياه ، كما ينسى المريض الاستلذاذ بالحلو ، ويميل إلى المكروهات بالحقيقة ، تألمت بفقده تألما كبيرا ، وكان مثلها
هامش
( 1 ) أ « تفيضا » .