واختلافها يكون كمالا « 1 » لها أو نقصا ، فهي أذن لا تنعدم البتة .
وأنت تعلم أن النفس إذا فارقت البدن ، ولم تتعلق ببدن آخر ، فإنه يزول عنها الاشتغال بقوى البدن ، فيخلص لها أشتغالها بذاتها ، فتشاهد ذاتها مشاهدة تامة .
وقد عرفت معنى هذه المشاهدة ، ولا شك أن الشعور بالوجود سعادة ، وإذا فارقنا البدن ، كان شعورنا بذواتنا أتم ، لأنا لا نشعر بذواتنا ، مع العلاقة البدنية ، الا « 2 » مخلوطا بالشعور بالبدن . وكذلك تكون معقولاتنا أتم تجردا ، وذلك لأنا لا نعقل سببا ونحن بدنيون ألا ويقترن به خيال ، أو ما يشبه الخيال .
فإذا انقطعت العلاقة بين النفس والبدن ، وزال هذا الشوب ، صارت المعقولات العقلية ، والشعور بالذات مشاهدة ، فكان التذاذ النفس بحياتها أتم وأفضل .
وللنفس باعتبار كل قوة نفسانية لذة وخير وأذى وشر ، يختص بتلك القوة . فلذة الشهوة الكيفية الملائمة ، ولذة الغضب الظفر ، ولذة الوهم الرجاء ، ولذة الحفظ تذكر الأمور الماضية .
وأذى كل واحد منها ما يضاده ، وكل ما كماله أفضل وأتم وأدوم وأكثر وأوصل اليه ، فاللذة له أبلغ وكذا الذي هو في نفسه أكمل فعلا ، وأفضل وأشد أدراكا .
والكمال الخاص بالنفس الناطقة ، من جهة القوة العقلية ، أن يصير عالما عقليا مرتسما فيه صورة « 3 » الكل ، والنظام المعقول فيه ، والخير الفائض اليه ، فيكون حينئذ موازيا للعالم الموجود كله ، مشاهدا
هامش
( 1 ) أ « بكونها » .
( 2 ) أ « لا » .
( 3 ) أ « صور » .