وإذا بلغت الإرادة والرياضة بالعارف حدا ما ، ربما عنت له خلسات من اطلاع لنور الحق عليه لذيذة ، كأنها بروق تومض اليه ، ثم تخمد عنه .
وقد تكثر عليه هذه الغواشي إذا أمعن في الارتياض . وربما غشيته في غير حال الرياضة . وربما صار المخطوف مألوفا ، والوميض شهابا بينا . ولعله يتدرج إلى أن يكون له ذلك متى شاء وربما انتهى به ذلك إلى أن يغيب عن نفسه ، فيلحظ جناب القدس فقط . وأن لحظة نفسه : فمن حيث هي لا خطة ، لا حيث هي بزينتها ، وهذه اخر درجات السلوك إلى الحق . وما يليها هو درجات السلوك فيه .
وهناك درجات ليست أقل من درجات ما قبله ، وهي مما لا يفهمها الحديث ، ولا تشرحها العبارة ، ومن أحب أن يعرفها فليتدرج إلى أن يصير من أهل المشاهدة لها ، دون المشافهة بها .
والمراد بالمشاهدة ههنا ، هو الادراك بلا منازعة من قوة أخرى ، بخلاف اليقين . ومن طلاب هذه الطريقة ، من يكون مائلا إلى الجناب الاعلى بأصل فطرته ، من غير تعلم علم . ومنهم من يميل اليه بما أكتسبه من العلوم الحقيقية ، أو من مجرد السماع والتقليد .
وإذا لم يكن المريد عالما ، فلا بد له من شيخ محقق محق ، سالك ، ليرشده إلى سواء السبيل . ويحتاج إلى ألا يتفق له من الخطا والأحوال البدنية والنفسانية ، ألا ما ينفره عن العالم الأدنى ، ويرغبه في العالم الاعلى .
ومن ضرورياته ترك الفضول ، وأصلاح الضروريات . ومن الفضول العلوم التي لا يستعان بها على القرب إلى الله تعالى . ومن الضروريات الغذاء ، فيجب أصلاحه ، بأن يكون قليل الكمية ، لئلا يقع الاشتغال بهضمه ، عن التوجه إلى المطلوب كثير الكيفية ، ليستدرك بذلك خلل قلبه .
ومنها المبصرات . أما الألوان ، فالمشرقة منها : تمد الروح ،
الجديد في الحكمة — صفحة 460
مساهمون: ابن كمونة
ص٤٦٠