من القوة النورية ما ينوره ، فلا يرى لعدم الاستنارة ، لا لكونه قريبا ، وكذا كل مفرط القرب والبعد المفرط في حكم الحجاب ، لقلة المقابلة .
ولعله كلما كان الشيء أقرب كان أولى بالمشاهدة ما بقي نورا ومستنيرا ، كالشمس ، لو كانت في القرب ، مثل الجفن ، وفي المرئيات ما هو مرئي بالعرض ، كالوضع والتشكل والتفرق والاتصال والعدد والبعد ، والملاسة والخشونة ، والحركة والسكون ، والشفيف والظلمة والكثافة ، والقبح والحسن ، والتشابه والاختلاف ، والضحك والبكاء ، والطلاقة والعبوس ، وغير ذلك .
فأن كل ذلك أنما يدرك بأن يشارك البصر قوة أخرى ، أو قوى أخر ، أو لعدم الابصار ، كما في الظلمة ، فيكون مرئيا بالمجاز .
والحواس الباطنة في الانسان على ما وجدناه ، وان أحتمل أمكان غيرها ، لم نجده من أنفسنا خمسة أيضا ، بعدد الظاهرة :
أولها - الحس المشترك ، وآلتها التجويف الأول من الدماغ ، وهي تدرك جميع الصور التي تدركها الحواس الظاهرة متأدية إليها ، وإليها يرجع أثرها ، وفيها يجتمع ، وكأنها رواضع لهذه القوة ، ولولاها ما أمكن لنا أن نحكم أن هذا المشموم ، هو هذا الأبيض ( الحاضرين ) « 1 » فأن الحس الظاهر منفرد بأحدهما ، والحاكم لا بد له من حضور الصورتين ، حتى يحكم بجمع أو تفريق بينهما .
وثانيهما - المصورة ، وتسمى الخيال أيضا ، ويجتمع فيها مثل جميع المحسوسات ، بعد غيبتها عن الحواس الظاهرة ، وهي خزانة لتلك « 2 » القوة ، وهي في ذلك التجويف أيضا ، وجاز كونها في موضع آخر منه .
ويدل على تغايرهما أن القبول بقوة غير القوة ، التي بها الحفظ ، وأعتبر ذلك من الماء ، فأن له قوة النقش ، وليس له قوة تحفظه .
هامش
( 1 ) هكذا هي موجودة في ك ، أ .
( 2 ) ك « تلك » .