أما في الكم فلأن زيادة الجوهر في المقدار توجب زيادة القوة ، لأنه إذا كان كثيرا ، بقي قسط واف في المبدأ ، وقسط واف للانبساط الذي يكون عند الفرح ، لأن القليل تبخل به الطبيعة ، وتمسكه عند المبدأ ، فلا ينبسط ، وأما في الكيف فأن يكون معتدلا في اللطافة والغلظ ، وشدة الصفاء . ومن هذا ظهر أن المعد للغم : اما قلة الروح ، كما في الناقهين والمنهوكين بالأمراض والمشايخ .
وأما غلظة كما للسوداويين واما سببه الفاعلي فالأصل فيه تخيل الكمال ، والكمال راجع إلى العلم ، والقدرة ، ويندرج فيها الاحساس بالمحسوسات الملائمة ، والتمكن من تحصيل المراد ، والاستيلاء على الغير ، والخروج عن المؤلم ، وتذكر اللذات . ومن هذا يعلم السبب الفاعل للغم . ويتبع الفرح أمران : أحدهما بقوى الطبيعة ، ويتبعه اعتدال مزاج الروح وحفظه عن التحلل ، وكثرة تولد بدل المتحلل . وكذا يتبعه تخلخل الروح ، فتستعد للانبساط للطف قوايه .
والثاني انجذاب الغذاء اليه ، بحركته بالانبساط إلى غير جهة الغذاء والغم يتبعه أضداد ذلك . والغضب تصحبه حركة الروح إلى خارج دفعة . والفرح تصحبه حركتها إلى داخل دفعة أيضا . والحزن يندفع مع الروح إلى داخل تدريجا .
والهم يندفع معه إلى جهتين في وقت واحد : كونه يوجد معه غضب وحزن . والخجل ينقبض به الروح أولا إلى الباطن ، ثم يخطر ببال صاحبه ، أنه ليس فيما خجل منه كثير ضرر ، فينبسط ثانيا . وما ذكر من أحوال الروح المتعلقة بهذه الأمور ، فإنما عرف من طريق التجربة والحدس ، والحقد يعتبر في تحققه « غضب ثابت » .
والألم يتقرر صورة المؤذي في الخيال ، فلا تشتاق النفس للانتقام « 1 »
هامش
( 1 ) ك « إلى الانتقام » .