فان وافق أنه يعلم ، فقد اعترف بعلم ما ، وان لم يوافق على ذلك ، وادعى أنه لا يفهم أبدا شيئا ، ولا يعلم أنه يشك وينكر ، ولا أنه موجود أو معدوم ، سقط الاحتجاج معه ، وأيس من استرشاده ، ما دام على هذه العزيمة .
فليس الا أن يؤلم بدخول نار ، أو ضرب ، أو غير ذلك ، مما يؤلم ، فان النار واللانار عنده واحد ، والألم واللا ألم واحد . ومثل هذا ان كان شاكا في نفس الأمر ، كما يزعم . فربما اهتدى بهذا القول ، أو هذا الفعل .
وان كان معاندا ، فربما ألجأه الألم إلى الاعتراف بالحق ، ولعله لا يوجد ، من هو على هذا الرأي الا أن ينتحله على طريق العناد . ووقوع الادراك على أصناف الادراكات انما هو بالتشكيك ، فإنه قابل للشدة والضعف . ألا ترى أن الادراك بالبصر أقوى من الادراك بالخيال ، وان كنا ندرك تفاصيل المدرك بالخيال ، كادراكنا لها بالبصر . فان في المشاهدة مزيل انكشاف ، ليس في التخيل ، ولهذا ليس تخيل المعشوق كابصاره .
وبعض التخيل أقوى من بعض ، وكذا التعقل تتفاوت درجاته في قوته وضعفه ، وهو أقوى من الادراك الحسي ، لأن الادراك العقلي خالص من الشوب إلى الكنه ، فإنه يدرك الحقائق المكتنفة بالعوارض كما هي ، وأصلا إلى كنه المعقول . والحسي شوب كله ، لأنه لا يدرك الا كيفيات تقوم بسطوح الأجسام التي تحضره فقط .
والعقلي أيضا أكثر كمية منه ، فان عدد تفاصيل العقلي لا تكاد تتناهى .
فان أجناس الموجودات وأنواعها وأصنافها وما يقع بينها من المناسبات لا سبيل إلى حصرها . والحسية محصورة في عدد قليل ، وذلك العدد
الجديد في الحكمة — صفحة 304
مساهمون: ابن كمونة
ص٣٠٤