عليها فلو كان مزاجه هو المحرك لما تحرك الا إلى أسفل . وكذلك لو كان المدرك منه هو مزاجه لما أدرك باللمس ما يشبهه ، حيث إنه لا ينفعل عنه .
ومن ضرورة الادراك وجود الانفعال ، ولا ما يضاده ، لاستحالته عند لقاء ضده فلا يبقى معه موجودا . فكيف يلمس به مع أنه معدوم . والمزاج المعدوم لا يمكن أن يعيد نفسه أو مثله . وليست النفس هي مجموع العناصر في بدن الانسان ، أو مجموع أعضائه ، والا لما بقي شاعرا بذاته ، مع فقدان عضو منه .
ونحن نلحظ من أنفسنا أننا لو كنا قد خلقنا دفعة على كمال من عقولنا ، من غير أن نستعمل حواسنا في شئ منا وفي غيرنا . وحصلنا أيضا لحظة ما في هواء ، نشعر بها وأعضاؤنا منفرجة ، لئلا تتلامس ، لغفلنا في مثل هذه الحالة عن كل شئ سوى انيتنا . فالأجسام والاعراض لا مدخل لها في ذواتنا ، التي عقلناها دون تلك الأمور . وهذا شبيه ببرهان الرجل الطائر لدى ابن سينا « 1 » .
وعليه فان الذات التي لم نغفل عنها ، هي غير أعضائنا الظاهرة والباطنة ، وهي أيضا غير جميع الأجسام والحواس والقوى والاعراض الخارجة عنا . فمتى عقل الانسان ذاته في حال من الأحوال ، مع غفلته عن هذه الأشياء ، كفاه علما بان ذاته مغايرة لها . وهذا يشبه برهان الرجل الطائر لدى ابن سينا .
ويرى ابن كمونة انه من الممكن أن يشير الانسان إلى ذاته بانا ، وإلى كل جرم وعرضية فيه من بدنه وغيره ، بأنه هو مثبت وجود شيء يصدق عليه ما قيل من تعريف النفس الا الجوهرية . فإذا ثبت انه جوهر النفس المعرفة ، فيثبت بذلك وجودها .
والدليل على جوهرية النفس انها ليست بجسم « 2 » ولا عرض ، فهي لا تقبل الانقسام ، وهي تتصرف في البدن بذاتها لا بعرض . وتنسب إليها الدواعي من
هامش
( 1 ) المرحوم د . قاسم : في النفس والعقل ص 105 . طبعة 1969 مكتبة الإنجلو المصرية .
( 2 ) هذا لا يختلف عن قول ابن سينا في الهداية ص 220 عن النفس : هذه القوة لجوهر ليس بجسم ولا منطبع في جسم البتة