تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كسر أصنام الجاهلية — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
الّتي لا عقل لها ولا تمييز « 1 » ، وإنّما حركتها حركة هيام وطبع ، يتحرّك كلّ منها إلى حيث شرفه وعزّه ويأبى الغربة والبعد عن وطنه ؛ فما بالك يا نفس ، وأنت ذات العقل والتمييز ، بما تأبين الرّجوع إلى وطنك وعنصرك الّذي فيه شرفك وعزّك وتكرهين ذلك وتحبّين البعد عن أصلك ومنبعك وتختارين اللّبوث في الأرض الغربة ومقاساة الذّل والهوان ؟ ! يا نفس ! إنّي تأمّلت اللّذات كلّها ، فلم أجد ألذّ من ثلاثة ؛ هي الأمن والعلم والغنى . ولكلّ واحد من هذه الأشياء أصل وينبوع يحرّكه : فمن طلب العلم ، فليذهب إلى معنى التّوحيد ؛ فإنّ بالتّوحيد تكون المعرفة والعلم والتحقيق ، وبالإشراك « 2 » تكون النّكرة والجهل والشكّ . ومن طلب الغنى ، فليذهب إلى رتبة القنوع ؛ فإنّه حيث لا قنوع لا غنى . ومن طلب الأمن ، فليعتقد التمنّي بمفارقة عالم الطّبيعة ، وهو الموت الطبيعي . يا نفس ! قد اتّضح لك أنّ النور يأتي من قبل العقل ، والظّلمة يأتي من قبل الجسد . فينبغي لك ، يا نفس ، أن لا تأسفي « 3 » على فراق الجسد ، لشدّة إضراره لك وخذلانه إيّاك وإعاقته لك عن إدراك معلوماتك ؛ بل ينبغي ، يا نفس ، أن تأسي على مفارقتك عالم العقل ، لكثرة منافعه لك ومساعدته إيّاك على نيل مطلوباتك . فانصرفي ، يا نفس ، عن الطّبيعة ، زاهدة فيها ، قالية خائفة منها ، فازعة « 4 » إلى عالم العقل الّذي هو أصلك ومعدن لذّاتك وسرورك وعزّك ؛ تحيى بذلك الحياة الدّائمة وتستكمل السّعادة الدّائمة الكاملة .
هامش
( 1 ) آس ، مج : تميّز .
( 2 ) آس ، مج : وبالاشتراك .
( 3 ) آس ، مج : تأسى .
( 4 ) آس ، مج : خوانا نيست .