يا نفس ! إنّ هذا المركب الّذي قد ركبته من هذا البحر الأعظم إنّما هو مياه جامدة وبالغرور « 1 » تركب ؛ ويوشك أن يطلع عليه الشّمس فينحلّ فيعود إلى عنصره ، ويتركك جالسة على وجه الماء إن أمكنك الجلوس ، تطلبين مركبا ولا مركب « 2 » إلّا ما اكتسبته من جودة السّباحة وحسن التهدّي .
يا نفس ! إنّ الماء الصّافي النقيّ النّوريّ يؤدّي البصر إلى « 3 » سائر ما في ذاته ؛ فإذا شابه الكدر والوسخ ، حجب العين عن إدراك سرائر الأشياء المستكنّة فيه . وكذلك نور الشمس إذا أشرق على الأشياء ، كان البصر مدركا لها بالحقيقة ؛ وإذا عرض لها البخارات والدّخان والغبار ، حيل بين البصر وبين إدراكه تلك الأشياء . وكذلك أنوار « 4 » العقل اللّطيفة ، إذا مزجت « 5 » بالأشياء الجلفة المظلمة ، كدّرتها وعاقتها عن إدراك ما في ذاتها من الصّور والأشكال وأعدمتها التّصوّر العقلي ؛ فحينئذ تبقى النّفس فقيرة من مقتنياتها « 6 » جاهلة بمعلوماتها عادمة حسن التّهدّي إلى طريق نجاتها .
يا نفس ! ليس الزّهد في الدّار ترك تزويقها وإصلاحها مع الرّضا بالمقام فيها . والزّهد التّام الرّضا للقضاء « 7 » بالتحويل والاستعداد والتأهّب لنقله منها .
فكذلك ، يا نفس ، ليس الزّهد في عالم الطبيعة ترك لذّاته « 8 » وشهواته « 9 » مع الرّضا بالمقام فيه « 10 » . وإنّما الزّهد بالحقيقة شدّة الشّوق إلى مفارقته « 11 » والرّاحة منه « 12 »
هامش
( 1 ) الأفلاطونيّة المحدثة : من أمياه تجمد وبالعرض .
( 2 ) الأفلاطونيّة المحدثة : + تجدين .
( 3 ) آس : - إلى .
( 4 ) آس : نور .
( 5 ) مج : خرجت .
( 6 ) آس : معاشها / مج : مقاستها .
( 7 ) مج : - للقضاء .
( 8 ) آس ، مج : لذّاتها .
( 9 ) آس ، مج : شهواتها .
( 10 ) آس ، مج : والكفاية فيها ( بجاى « بالمقام فيه » ) .
( 11 ) آس ، مج : مفارقتها .
( 12 ) آس ، مج : منها .