الشّراب طلبا « 1 » للذّة العقليّة في النّرد والشّطرنج . ولولا أنّ هذه اللذّة أقوى من تلك ، وإلّا لما ترجّحت هذه « 2 » على تلك .
الثّانى ؛ وهو أنّ الإنسان قد يترك المطعوم والمنكوح في حضور من تحتشمه « 3 » ، ولولا أنّ مراعاة الحشمة ألذّ وإلّا لما ترجّحت .
الثّالث « 4 » ؛ وهو أنّ الإنسان ربّما احتاج إلى طعام أو شراب حاجة شديدة ، ثمّ إنّه يؤثر غيره على نفسه فيه . ولولا « 5 » أنّ لذّة الإيثار آثر ، وإلّا لما كان كذلك .
الرّابع ؛ وهو أنّ الإنسان إذا كان كبير النّفس فإنّه يقاسى ألم الجوع والعطش للمحافظة على ماء الوجه . ويستصغر الموت عند مناجزة « 6 » المبارزين ، وربّما حارب الواحد مع « 7 » جمع عظيم يقطع بأنّه لا ينجو منهم . وكلّ ذلك لأنّ لذّة الحمد آثر عنده من لذّة الحياة « 8 » ، أو لأنّه يتوقّع الذّكر الجميل بعد الموت كأنّه « 9 » يظنّ أنّ ذلك يصل إليه وهو ميّت ، فلأجل الرّغبة في ذلك لا يبالي بالموت ويستحقر الحياة .
فقد بان من هذه الوجوه أنّ اللذّات الباطنة أقوى من « 10 » الحسّيّة « 11 » .
ولمّا بيّن ذلك في الإنسان بيّن أنّه غير مختصّ به ، بل هو حاصل أيضا في سائر الحيوانات . وذكر منها صورتين : فالأولى ؛ أنّ من كلاب الصّيد ما يصطاد على الجوع ، ثمّ يمسك الصّيد على صاحبه ، وربّما حمله إليه . والثّانية ؛ أنّ الرّاضعة عن الحيوانات تؤثر ما ولدته على نفسها ، وربّما كان جدّها في دفع العدوّ عنه أشدّ من جدّها في « 12 » دفع العدوّ عن نفسها « 13 » . فثبت بمجموع ما ذكرنا « 14 » أنّ اللّذّات الباطنة أقوى من « 15 » الظّاهرة ، وإن لم تكن عقليّة ، فما ظنّك بالعقليّات « 16 » ؟ واعلم أنّ هذا الكلام الأخير إقناعىّ « 17 » .
هامش
( 1 ) - طلبا : طالبا ط .
( 2 ) - هذه : + اللذّة ط .
( 3 ) - تحتشمه : تحشمته مص .
( 4 ) - وهو أنّ الإنسان . . . الثّالث : - مج .
( 5 ) - لولا : لو مص .
( 6 ) - مناجزة : مساخره ط .
( 7 ) - مع : من مص .
( 8 ) - الحياة : الحيوانيّة ط .
( 9 ) - كأنّه : فكأنّه س .
( 10 ) - من : + اللذّات ط ، مج .
( 11 ) - الحسّيّة : الجسميّة مج .
( 12 ) - في : من مج .
( 13 ) - نفسها : النّفس ط ، م .
( 14 ) - ذكرنا : ذكرناه س .
( 15 ) - من : + اللذّات مص .
( 16 ) - بالعقليّات : في العقليّات ط ، م .
( 17 ) - إقناعىّ : + خطابىّ جدّا مص . : + قال صاحب الصحاح : العطب : الهلاك ؛ والدهم : العدد الكبير ؛ ويقال امتطيناها :
اتّخذناها مطايا ط ، م .