ذلك محال ؛ لأنّ « 1 » كلّ ما دخل في الوجود فقد حصره الوجود ، وما لا يتناهى لا يكون محصورا .
وثانيها ؛ أنّه لو لم يكن للحوادث الماضية أوّل « 2 » لتوقّف حدوث الحوادث اليوميّة على انقضاء الحوادث الّتى وجدت قبل ذلك . فإذا « 3 » كانت الحوادث الّتى انقضت قبل ذلك غير متناهية ، كان حدوث الحادث اليومىّ « 4 » متوقّفا على انقضاء ما لا نهاية له . وما يتوقّف حدوثه على انقضاء ما لا نهاية له كان محالا أن يدخل في الوجود . فوجب أن يكون حدوث الحوادث اليوميّة ممتنعا . ولمّا « 5 » لم يكن كذلك ، علمنا أنّ الحوادث الماضية متناهية .
وثالثها « 6 » ؛ وهو أنّ كلّ وقت يتجدّد فإنّه يزداد فيه عدد الحوادث الماضية ، وكلّ ما يتطرّق إليه الزّيادة والنّقصان فهو متناه ، فالحوادث الماضية متناهية .
ثمّ إنّ الشّيخ بعد أن فرغ عن الدّلالة على أنّ للحوادث بداية ، ذكر أقوال القائلين بحدوث العالم في « 7 » أنّ اللّه تعالى لم لم يقدّم خلق العالم على الوقت الّذى خلقه فيه ، ولم يؤخّره « 8 » عنه ؟ وذكر من تلك الأقاويل ثلاثة « 9 » :
أحدها ؛ قول المعتزلة الّذين يقولون : العالم وجد « 10 » حين كان أصلح لوجوده .
وثانيها ؛ قول الكعبي وطائفة أخرى : إنّه لم يمكن وجوده إلّا حين « 11 » وجد . وهؤلاء لعلّهم لا يقولون : إنّه كان قبل ذلك ممتنعا لذاته ثمّ انقلب ممكنا « 12 » ؛ بل يقولون : إنّه قبل حدوثه نفى محض ، وعدم صرف ، وليس له تخصّص ، ولا تميّز ، فيستحيل الحكم عليه بالإمكان والامتناع .
وثالثها ؛ قول أكثر الفرق وهو أنّه لا يتعلّق وجوده بحيّز وبشئ آخر ، بل بالفاعل ، ولا يسئل عن لم « 13 » . وبيانه هو أنّ اللّه « 14 » تعالى فاعل مختار ، والفاعل المختار يمكنه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجّح . فإنّ الهارب من السبع الضّارى « 15 » إذا عنّ « 16 » له طريقان متساويان في جميع الأمور « 17 » المعتبرة ، فإنّه لا بدّ وأن يسلك أحدهما لا لمرجّح . وكذلك « 18 » العطشان جدّا إذا خيّر بين
هامش
( 1 ) - لأنّ : فإنّ مص .
( 2 ) - أوّل : بداية ط .
( 3 ) - فإذا : وإذا م .
( 4 ) - الحادث اليومىّ : الحوادث اليوميّة مج ، مص .
( 5 ) - ولمّا : فلمّا س . : وإذا ط .
( 6 ) - ثالثها : الثّالث س .
( 7 ) - في : وس .
( 8 ) - لم يؤخّره : لم يؤخّر مج .
( 9 ) - ثلاثة : + أوجه ط .
( 10 ) - وجد : أوجد ط ، مج .
( 11 ) - حين : + ما ط .
( 12 ) - ممكنا : + لذاته س .
( 13 ) - عن لم : عمّا يفعل مص .
( 14 ) - هو أنّ اللّه : أنّه ط ، م ، مج .
( 15 ) - الضّارى : - س .
( 16 ) - عنّ : عيّن م .
( 17 ) - الأمور : الوجوه س .
( 18 ) - كذلك : كذا س ، ط .