معيّن إذ لا بدّ وأن يكون له حدّ واحد كما للكرة ، أو حدود كثيرة كما في المخروط والمكعّب « 1 » . وإذا ثبت وجوب اختصاص كلّ جسم بشكل معيّن ووضع « 2 » معيّن ، فنقول : اختصاص ذلك الجسم بذلك الشّكل وبذلك الوضع إمّا أن يكون لجسميّته ، أو لما يحلّ في جسميّته ، أو لما يكون محلّا لجسميّته ، أو لما لا يكون حالّا فيها ولا محلّا لها . « 3 »
والكلام على هذه الأقسام ما مضى « 4 » في النّمط الأوّل « 5 » في إثبات الصّور النّوعيّة ، والشّكوك ههنا هي الّتى ذكرناها هناك . ولا بأس بأن نعيد الشّكّ الّذى وعدنا هناك أنّ فيه زيادة بحث وهو الّذى ذكرنا : أنّه لو كان اختصاص الجسم بالوضع المعيّن والشّكل المعيّن لا بدّ وأن يكون لقوّة موجودة فيه ، فاختصاصه « 6 » بتلك القوّة يجب أن يكون لقوّة أخرى ، ولزم التّسلسل . وتمام تقريره قد مضى هناك .
فلئن قالوا : الفرق بين الأمرين ظاهر ، لأنّا إذا رمينا المدرة إلى فوق فإنّها ترجع إلى أسفل . فعلمنا أنّ فيها قوّة تقتضى الحصول في السفل حتّى إذا رميناها « 7 » إلى الفوق أعادتها تلك القوّة إلى السفل « 8 » . وأمّا إذا قدّرنا زوال تلك القوّة بمزيل ، فبعد « 9 » زوال ذلك المزيل لا تعود تلك القوّة . فعلمنا أنّ « 10 » لحصول المقدرة في السفل مبدأ ، وليس لذلك المبدأ مبدأ آخر . فنقول : أمّا أوّلا ؛ فهذه الحجّة مغايرة للّتى ذكرتموها . وأمّا ثانيا ؛ فلأنّ ثابت بن قرّة « 11 » ذهب إلى أنّ المدرة إنّما تعود إلى السفل لأنّ بينها وبين كلّيّة الأرض مشابهة في كلّ الأعراض ، أعنى البرودة واليبوسة والكثافة . والشّىء ينجذب إلى مثله ، والأصغر ينجذب إلى الأعظم .
واعلم أنّا متى أبطلنا هذه المقالة استقام مذهب الشّيخ . والدّليل على فسادها : أنّ انفعال الأصغر أعظم من انفعال الأعظم ، فجذب كلّيّة الأرض للمدرة الصّغيرة أعظم من جذبها للحجارة العظيمة .
فلو كان عود المدرة يجذب كلّيّة الأرض إيّاها لوجب أن يكون الحجر كلّما كان أصغر كان أسرع
[
هامش
( 1 ) - والمكعّب : أو المكعّب مص .
( 2 ) - بشكل معيّن ووضع : بوضع معيّن وشكل م .
( 3 ) - لها : - م .
( 4 ) - ما مضى : مضى مج .
( 5 ) - راجع : النّمط الأوّل ؛ الفصل السابع عشر ؛ صص 80 - 75 ]
( 6 ) - فاختصاصه : واختصاصه م ، مص .
( 7 ) - إذا رميناها : أنّا لو رميناها م . : أنّا لمّا رمينا مص .
( 8 ) - السفل : أسفل مص .
( 9 ) - بمزيل فبعد : لم يكن بعد م .
( 10 ) - أنّ : أو مص .
( 11 ) - ثابت بن قرّة : ثابت بن قوّة م .