تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الاشارات والتنبيهات — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
أن يحصر هذه الشّهادات في مبلغ عدد فقد أحال ، فإنّ ذلك ليس معلّقا بعدد يؤثّر النقصان والزّيادة فيه ، وإنّما الرّجوع فيه إلى مبلغ يقع معه اليقين ، فاليقين هو القاضي بتوافى الشّهادات لا عدد الشّهادات . وهذه أيضا لا يمكن أن يقنع جاحدها ، أو يسكت بكلام . وأمّا القضايا الّتى قياساتها معها فهي قضايا أنّما يصدّق بها لأجل وسط ، لكن ذلك الوسط ليس ممّا يعزب عن الذّهن فيحوج فيه الذّهن إلى طلب ، بل كلّما أخطر بالبال حدّى المطلوب خطر الوسط بالبال ، مثل قضائنا بأنّ الاثنين نصف الأربعة . فقد استقصينا القول في تعديد أصناف القضايا الواجب قبولها من جملة المعتقدات من جملة المسلّمات . فأمّا المشهورات من هذه الجملة : فمنها أيضا هذه الأوّليّات ونحوها ممّا يجب قبوله ، لا من حيث هي واجب قبولها بل من حيث عموم الاعتراف بها ، ومنه الآراء المسمّاة بالمحمودة ، وربّما خصّصناها باسم المشهورة إذ لا عمدة لها إلّا الشّهرة ، وهي آراء لو خلّى الإنسان وعقله المجرّد ووهمه وحسّه ولم يؤدّب بقبول قضاياها والاعتراف بها ولم يمل الاستقراء بظنّه القوىّ إلى الحكم لكثرة الجزئيّات ولم يستدع إليها ما في طبيعة الإنسان من الرّحمة والخجل والأنفة والحميّة وغير ذلك لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسّه ، مثل حكمنا بأنّ سلب مال الإنسان قبيح ، وأنّ الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه . ومن هذا الجنس ما يسبق إلى وهم كثير من النّاس وإن صرف كثيرا منهم عنه الشّرع من قبح ذبح الحيوان اتّباعا لما في الغريزة من الرقّة لمن تكون غريزته كذلك وهم أكثر النّاس ، وليس شئ من هذا يوجبه العقل السّاذج ، ولو توهّم الإنسان نفسه وأنّه خلق دفعة تامّ العقل ولم يسمع أدبا ولم يطع انفعالا نفسانيّا أو خلقيّا لم يقض في أمثال هذه القضايا بشئ بل أمكنه أن يجهلها ويتوقّف فيها ، وليس كذلك حال قضائه بأنّ الكلّ أعظم من الجزء ، وهذه المشهورات قد تكون صادقة ، وقد تكون كاذبة ، وإذا كانت صادقة ليست تنسب إلى الأوّليّات ونحوها ، إذا « 1 » لم تكن بيّنة الصّدق عند العقل الأوّل إلّا بنظر ، وإن كانت محمودة عنده ، و
هامش
( 1 ) - إذا : لأنّها م .