تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الاشارات والتنبيهات — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
للكلّ لأنّه واضح تصوّر الحدود ، ومنه ما ربّما خفىّ وافتقر إلى تأمّل لخفاء في تصوّر حدوده ، فإنّه إذا التبس التصوّر التبس التصديق . وهذا القسم لا يتوعّر على الأذهان المشتعلة النّافذة في التصوّر . وأمّا المشاهدات فكالمحسوسات ، وهي القضايا الّتى أنّما نستفيد التصديق بها من الحسّ ، مثل حكمنا بوجود الشّمس وكونها مضيئة ، وحكمنا بكون النّار حارّة . وكقضايا اعتباريّة لمشاهدة قوى غير الحسّ مثل معرفتنا بأنّ لنا فكرة وأنّ لنا خوفا وغضبا ، وإنّا نشعر بذواتنا وبأفعال ذواتنا . وأمّا المجرّبات فهي قضايا وأحكام تتبع مشاهدات منّا تتكرّر ، فتفيد اذكارا بتكرّرها « 1 » فيتأكّد منها عقد قوىّ لا يشكّ فيه . وليس على المنطقي أن يطلب السّبب في ذلك بعد أن لا يشكّ في وجوده ، فربّما أوجبت التجربة قضاء جزما ، وربّما أوجبت قضاء أكثريّا ، ولا تخلو عن قوّة « 2 » قياسيّة خفيّة تخالط المشاهدات ، وهذا مثل حكمنا بأنّ الضّرب بالخشب مؤلم ، وأنّما تنعقد التجربة إذا آمنت النّفس كون الشّىء بالاتّفاق ، وتنضاف إليه أحوال الهيئة فتنعقد التجربة . وممّا يجرى مجرى المجرّبات الحدسيّات ، وهي قضايا مبدأ الحكم بها حدس من النّفس قوىّ جدّا ، فزال معه الشكّ ، وأذعن له الذّهن ، فلو أنّ جاحدا جحد ذلك لأنّه لم يتولّ الاعتبار الموجب لقوّة ذلك الحدس أو على سبيل المناكرة لم يتأتّ « 3 » أن يتحقّق « 4 » له ما يحقّق عند الحادس ، مثل قضائنا بأنّ نور القمر من الشّمس لهيئات تشكّل النّور فيه ، وفيها أيضا قوّة قياسيّة وهي شديدة المناسبة للمجرّبات . وكذلك القضايا التواتريّة وهي الّتى تسكن إليها النّفس سكونا تامّا يزول معه الشكّ لكثرة الشّهادات مع إمكانه بحث تزول الرّيبة عن وقوع تلك الشّهادات على سبيل الاتّفاق والتّواطؤ ، وهذا مثل اعتقادنا بوجود مكّة ووجود جالينوس وأقليدس وغيرهم ومن حاول
هامش
( 1 ) - بتكررّها : بتكرارها م .
( 2 ) - قوّة : + ما م .
( 3 ) - لم يتأت : + له م .
( 4 ) - يتحقق : يحقّق م .