[ الفصل الثّالث ] [ في لزوم رعاية المنطقي جانب اللّفظ ]
إشارة : ولأنّ بين اللّفظ والمعنى علاقة مّا ، وربّما اثّرت أحوال في اللّفظ في أحوال في المعنى ، فلذلك يلزم المنطقي أيضا أن يراعى جانب اللّفظ المطلق من حيث ذلك غير مقيّد بلغة قوم دون قوم إلّا فيما يقلّ .
أقول « 1 » : للأشياء أربع مراتب في الوجود : الوجود الخارجي ، والذّهنى ، واللّفظى والّذى في الكتابة . فالكتابة دالّة على اللّفظ لأنّا لو احتجنا بأن نضع بإزاء كلّ حقيقة متصوّرة « 2 » نقشا مخصوصا لكثرت النقوش ، وتجاوزت عن الحدّ الّذى يتمكّن « 3 » الانسان من ضبطها . بل جعلت « 4 » بإزاء الأصوات البسيطة الّتى هي موادّ الكلم نقوش « 5 » بسيطة ، وجعلوا تركيب تلك النّقوش محاذيا « 6 » لتركيب تلك الأصوات ليكون المؤنة أخفّ . وأمّا اللّفظ فإنّه غير دالّ على الخارج بدليل أنّك إذا رأيت إنسانا من بعيد ، وظننت « 7 » أنّه صخرة ، سميّته بذلك . ثمّ إذا دنوت منه وعرفت حيوانيّته ، لكنّك ظننته طيرا ، سمّيته بالطّير . ثمّ إذا ازداد « 8 » القرب وعرفت انسانيّته ، سمّيته بالانسان . فاختلاف التّسميات عند اختلاف الخيالات « 9 » يدلّ على أنّ الأسامى دالّة على الصّور الذهنيّة لا على الأمور الخارجيّة ، ومن عادة القوم أن يسمّوا الصّور الذهنيّة معاني . فظهر بهذا « 10 » صحّة قوله : « أنّ بين اللّفظ والمعنى علاقة مّا « 11 » » ؛ أي اللّفظ ليس له دلالة بالّذات و « 12 » بالقصد « 13 » الأوّل « 14 » إلّا على المعاني الذّهنيّة .
قال : « وربّما أثّرت أحوال في اللّفظ في أحوال في المعنى » ؛ قلت « 15 » : إنّ « 16 » ذلك مثل ما تصدق الألفاظ فرادى ولا تصدق على الجمع ، وقد يكون بالعكس ، وغير ذلك من
هامش
( 1 ) - أقول : التّفسير م .
( 2 ) - متصوّرة : مصوّرة م ؛ ت .
( 3 ) - يتمكّن : لا يتمكّن مج .
( 4 ) - بل جعلت : بأن جعلوا م .
( 5 ) - نقوش : نقوشا م ؛ ت .
( 6 ) - محاذيا : محاذية م ؛ ت .
( 7 ) - ظننت : ظننته ت .
( 8 ) - ازداد : زاد ت .
( 9 ) - الخيالات : الحالات م .
( 10 ) - بهذا : لهذا ت .
( 11 ) - ما : - مج ؛ ت .
( 12 ) - و : أي م .
( 13 ) - بالقصد : القصد م .
( 14 ) - بالذات وبالقصد الأوّل : - ت .
( 15 ) - قلت : قلنا م . : أقول ت .
( 16 ) - إنّ : - ت .