فصل [ 4 ] في امعان النظر في هذا المنهاج والإشارة إلى علم اللّه تعالى بالأشياء الممكنة
قد علمت أن قياس العقل إلى المعقولات قياس الحسّ إلى المحسوسات ، وان ليس الاحساس - كالابصار مثلا - عبارة عن اخذ صورة المحسوس من مادة ، ولا ان البصر يأخذ من المبصر شيئا ينتقل اليه بعينه من مادة « 1 » إلى مادة البصر لما تبيّن من استحالة انتقال المنطبعات من موضع « 2 » إلى موضوع ، ولا أيضا معناه حركة قوة الحاسّة كالباصرة نحو صورة المحسوس الموجودة في مادة « 3 » ، كما زعمه « 4 » أصحاب الشعاع في باب الابصار . ولا أيضا بمجرد إضافة وضعية للحاسّة ، ولا بإضافة علمية للنفس إلى تلك الصورة المادية ، كما ذهب اليه الاشراقيون في باب الابصار وقوم كالفخر الرازي في باب الادراك مطلقا . فانّ هذه الآراء الثلاثة كلّها باطلة عندنا ، كما بيّنّاه في موضعه ؛ سيما مذهب الإضافة ، فانّ الإضافة الوضعية إلى الأجسام وما فيها ليست علما بها وادراكا لها ، والإضافة العلمية من الجواهر العقلي لا يمكن ولا يتصور بالقياس إلى ذوات الأوضاع المادية ، وقد مرّت الإشارة إلى برهان عام على أن شيئا من ذوات الأوضاع المادية لا يمكن ان يكون مدركة بأىّ ادراك كان الا من طريق العلم المحيط بأسبابها وعللها .
بل الحقّ عندنا في باب الابصار وغيره من أنواع الادراكات انّها يحصل بانشاء صورة نورية ادراكية من عالم النفس على طريق الفيض الابداعي ، فيحصل بها الادراك والشعور بالأشياء . وتلك الصور ان كانت حسية فهي الحاسّة والمحسوسة
هامش
( 1 ) - ز : مادّته .
( 2 ) - ز : موضوع .
( 3 ) - ز : الموجود في مادته .
( 4 ) - الف ، م : كما ذهبه .