فصل [ 3 ] في تسديد ما أصّلناه وتأكيد ما قرّرناه
واعلم أن حال النفس في مراتب ادراكاتها الحسّية والخيالية والعقلية ليس كما اشتهر عند الجمهور وفي الكتب مذكور من انّ النفس واحدة ذاتا ودرجة ، والمدركات متفاوتة وجودا ، متخالفة تجرّدا وتجسّما . بل الحقّ ان كل قوة ادراكية فهي بعينها صورتها المدركة إذا كانت مدركة بالفعل .
والمشهور عندهم ان النفس تجرّد الصور الحسّية وتنزعها عن موادها تجريدا ما ، فتصير محسوسة بالفعل ، ثمّ تجرّدها تجريدا أتم ، فتصير متخيّلة بالفعل ، ثم تجرّدها تجريدا بالكليّة ، فتصير معقولة بالفعل ، والنفس في ذاتها هي كما هي في اوّل الامر من غير انتقال لها من كونها حسّية إلى كونها خيالية ومن كونها خيالية إلى كونها عقلية . فجعلوا النفس ساكنة ، ومدركاتها منتقلة مستحيلة . وليس الامر كذلك ، بل الامر بالعكس مما ذكروه . فأولى في الصواب « 1 » ان يجعل تفاوت الصور الادراكية في مراتب التجريدات والاستكمالات « 2 » تابعة لاستحالات المدرك ، إذ المغمور في الغواشي المادية لا يمكن له ادراك الصورة الغير المغشّاة بها ، وظهور « 3 » كل حقيقة نوعية كالانسان مثلا على القوة العاقلة تارة بصورة وحدانية عقلية ، وعلى الحواس تارة أخرى بصور مخالفة متكثرة ليس بأن يدلّ على أن يكون النفس في أطوارها « 4 » الوجودية تابعة لحركاتها أولى من أن يجعل اختلافها وحركاتها تابعة لاختلاف أحوال النفس واستحالاتها ؛ بل هذا أولى وأنسب .
فانظر ايّها العاقل الذكي في امر النفس وأطوارها ونشئاتها الوجودية وكونها
هامش
( 1 ) - الف ، ز : بالعكس ، فالصواب .
( 2 ) - ز : الاستحالات .
( 3 ) - م : فظهور .
( 4 ) - م : اطفارها .