في كل طور وجودي متحدة مع طائفة من موجودات ذلك الطور الوجودي . فهي مع البدن طبيعة بدنية ، ومع الحسّ حسّ ، ومع الخيال خيال ، ومع العقل عقل ،
وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ
« 1 » . فإذا اتحدت مع الطبيعة صارت عين الأعضاء ، وإذا اتّحدت مع الحسّ بالفعل صارت عين المحسوسات التي حصلت للحواس بالفعل ، وإذا كانت مع الخيال بالفعل تصير عين الصور المتخيّلة له ، وهكذا إلى أن ترتقى إلى مقام العقل بالفعل ، فتصير عين الصور العقلية التي حصلت لها بالفعل .
والحكمة في ذلك ان اللّه تعالى لمّا جعل في الوجود وحدة عقلية هي عالم العقل ، وكثرة جسمانية هي عالم الحسّ والتخيّل على مراتبها ، اقتضت العناية « 2 » الإلهية بايجاد نشأة جامعة يدرك بها ما في العالمين ، فرتّب لها قوة لطيفة تناسب بذاتها تلك الوحدة الجامعة ، فيمكن بتلك المناسبة من إدراكها وهو العقل الفعّال ؛ وقوة أخرى جسمانية أو مادية تناسب بذواتها تلك الكثرة الجسمانية فيدركها من حيث هي هي ؛ لكن النفس في مبادئ تكوّنها تغلب عليها لقصورها ونقصها « 3 » جهة الكثرة الجسمانية ، ويكون وحدتها العقلية امرا بالقوة ، وكثرتها الجسمانية « 4 » امرا بالفعل ، فإذا قويت ذاتها واشتدّت فعليّتها غلبت عليها جهة الوحدة ، فصارت عقلا ومعقولا بعد أن كانت حسّا ومحسوسا . فللنفس حركة جوهرية من هذه النشأة الأولى إلى النشأة الثانية وما بعدها .
هامش
( 1 ) - لقمان ، 34 .
( 2 ) - م : قضت الغاية .
( 3 ) - الف ، ز : نقصانها .
( 4 ) - م : وجهة الكثرة الجسمانية .