لزم ان لا يصح حمل الّا في « ما جاءني القوم الّا زيد » أيضا على الاستثناء لان تقدير الكلام على ما افاده هذا الفاضل : « ما جاءني القوم مستثنى منهم زيد » فيكون نفيا لمجىء القوم مستثنى منهم زيد ، ولا يكون نفيا لمجىء القوم غير مستثنى منهم زيد ؛ بل يدل بدليل الخطاب على ثبوت . ولكن بناء على أن المنفى في الكلام المقيد انما يتوجه إلى القيد ، واحتمال كون القيد قيدا للنفي لا للمنفى مشترك ، فلا يدل الكلام على انتفاء المجىء من كل واحد واحد من آحاد القوم وثبوته لزيد كما هو المراد من هذا الكلام وهذا يؤدى إلى أن لا يصح حمل « الّا » على الاستثناء في كلام منفى أصلا .
وحلّ ذلك ان يقال : انا إذا حكمنا بان كلاما في قوة كلام آخر فليس معناه انهما متحدان في جميع الوجوه وان كل ما يترتب على ذلك فهو يرتب على هذا ، سيما الاحكام اللفظية التي يختلف باختلاف الالفاظ . مثلا إذا قلنا : « ان زيدا أبوه قائم » في قوة « زيد قائم الأب » فليس يقتضى ذلك ان يكون هذا هو ذلك بعينه وان كل ما يترتب على ذاك من الاحكام يترتب على هذا .
فقوله : « لان تقدير الكلام : لا اله مستثنى منهم اللّه » ، إلى آخره . قلنا : على تقدير التسليم لا يلزم ان يكون كل ما يقتضيه هذه العبارة يقتضيه تلك ، حتى يلزم المحذور الذي ذكره ؛ فان قولنا : « لا اله موجود » مقتضاه نفى الوجود عن هذا الجنس ، ويدل على أن كل فرد فرد منه مسلوب الوجود . وقولنا : « الّا اللّه » يدل على استثناء هذا الفرد من ذلك الحكم الكلى . وهذا كلام مستقيم واضح الدلالة ، صحيح المدلول لا غبار عليه أصلا . وهذا كما يقال : « ما جاءني القوم الّا زيد » ، فان قولك : « ما جاءني القوم » يدل على انتفاء المجىء من كل واحد واحد من آحاد القوم ، وقولك « الّا زيد » يدل على أن هذا الفرد مستثنى من هذا الحكم وان المجىء ثابت له . وليس قوله : « لا اله مستثنى منهم اللّه » بعينه هو قولنا : « لا اله الّا اللّه » حتى يلزم ان يكونا متحدين في جميع اللوازم والمقتضيات . ولو سلّم فنقول : ان المستثنى قيد النفي لا للمنفى ، كما أشرنا اليه ، فالمعنى : ان هذا الجنس منتف ، ووقع انتفاء مقرر باستثناء
مجموعه رسائل فلسفى صدر المتألهين — صفحة 408
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٤٠٨